
أنواء رمضان محجوب مسرح النخيل الباسق..!!
أنواء
رمضان محجوب
مسرح النخيل الباسق..!!
■ حين يرتفع الستار في السابع والعشرين من مارس، لا يصفق العالم لمجرد عرض عابر، بل يحتفي بميلاد فكرة “خرجت” للنور عام 1961 لتكرس المسرح كجسر للمحبة وصوت للسلام؛ ومنذ ذلك الحين والخشبة هي “أبو الفنون” الذي لا يشيخ، يبعث رسائله من باريس إلى دنقلا دون استئذان، مؤكداً أن المسرح ليس ترفاً ذهنياً بل ضرورة وجودية لرقي الشعوب وتماسكها في مواجهة عاديات الزمن.
■ للمسرح السوداني قصة ضاربة في القدم، بدأت من طقوس الحكاية والفرجة الشعبية في “الحلال” القديمة وحلقات “الدوبيت” و”المسادير” حتى استوت صروحاً إبداعية شامخة، لكنه اليوم يقف في “مفترق” المقاربة بين ما قبل الحرب وما بعدها؛ فبينما كان بالأمس يضج بالحياة في صالات الخرطوم، صار اليوم يحمل جراحه ليرممها في الولايات، باحثاً عن فضاءات بديلة تجعل من وجع النزوح مادة للصمود.
■ تكتسب الاحتفالية بالولاية الشمالية هذا العام في نادي “شيخ شريف” رمزية تاريخية استثنائية؛ فهذه الأرض هي مسقط رأس الرائد الراحل “الفاضل سعيد” وإليها تعود جذوره، ومن هنا انطلقت شرارة العبقرية التي شكلت وجدان الشعب. فالمكان ليس مجرد مستضيف، بل هو منبع الأصالة ومبتدأ الحكاية، ومن هنا تتبدى عبقرية اختيار الموقع الذي يربط حاضر الإبداع بجذوره الضاربة في عمق التاريخ.
■ جاءت الاحتفالية لتقدم بشارة خير تكسر طوق العزلة الثقافية، وتحمل دلالات عميقة تتجاوز مظاهر الفرح البروتوكولية؛ فهي رسالة صمود “معطونة” بالإبداع، تؤكد أن الشمالية ليست مجرد ملاذ آمن للأبدان، بل هي “حوش” كبير يحتضن الأرواح المبدعة، حيث تحولت المنصة إلى ساحة رتق حقيقية للنسيج الاجتماعي، تثبت أن الفن هو السلاح الذي لا يقتل بل يحيي القلوب.
■ كان اختيار المكان ذكاءً اجتماعياً يحسب للمنظمين الذين أدركوا قيمة هذه الرمزية، حيث خرج المسرح من الأبراج العاجية والقاعات المغلقة ليعانق الجماهير في “حلتهم” وبين دورهم، في اختبار حقيقي لقوة الجذب التي يمتلكها المبدع السوداني؛ وقد نجحت الفعالية في خلق حالة من التماهي والاندياح بين النخبة والبسطاء، مما جعل الرسالة الفنية تصل بعمق وسلاسة للجميع.
■ ملامح الفعالية رسمت لوحة إبداعية نادرة، تداخلت فيها صرخة “صوت الصمت” لفرقة الصم مع نقد فرقة “همبريب” الذي قدم “شغل نضيف” وممتعاً لامس قضايا الراهن بذكاء، لتمتزج هذه العروض بمقامات الفنان محمد زمراوي الغنائية؛ في توليفة مدهشة جعلت من الصمت لغة ومن الكوميديا دواءً ومن النغم بلسماً، ليقف الحضور مبهوراً أمام قدرة المبدع على صياغة لغة مشتركة أعادت للدراما هيبتها.
■ في لفتة حملت أريج التواصل الخارجي رغم المسافات، جاءت كلمة الدكتور سيد أحمد أحمد، الأمين العام للهيئة الدولية للمسرح بالسودان، عبر أثير الهاتف لتمثل “سنداً” معنوياً كبيراً للمسرحيين في محنتهم؛ حيث أشاد بوقفة المجلس الأعلى للثقافة بالشمالية ورعايته للمبدعين الوافدين، مؤكداً أن المظلة الدولية لليونسكو تظل حارسةً لهذا العطاء الإبداعي المتجذر، ومستعدة لدعم كل ما يطور قطاع التدريب.
■ بذات القدر من الوفاء، نبعث بـ “تحية” محبة وتقدير لكل الدراميين السودانيين الذين تشتتوا في المنافي والمهاجر بسبب الحرب اللعينة، معظمين عطاءهم الذي لم ينقطع ورسالتهم النبيلة التي يحملونها في حدقات العيون رغم البعد وقسوة الظروف؛ فهم الذين يحولون “الآهة” إلى لوحة، والدمعة إلى نص مسرحي يبشر بالعودة، مؤكدين للعالم أن المبدع السوداني نخلة لا تنحني للعواصف مهما اشتدت.
■ تجب الإشادة المستحقة بالمجلس الأعلى للثقافة والإعلام، وعلى رأسه الأمين العام الباقر عكاشة عثمان، ومنسوبي المجلس الذين سهروا واجتهدوا وواصلوا العمل ليل نهار لخروج هذا المحفل بهذا الرقي التنظيمي؛ فقد أثبتوا أن الإدارة الثقافية في أوقات الأزمات تتطلب خيالاً خصباً ومرونة عالية، فكان نجاح الفعالية صك براءة لجهودهم وتأكيداً على أن المجلس بات يمتلك بوصلة حقيقية لإدارة المشهد الإبداعي.
■ يبرز من أهم مكتسبات هذا الاحتفال، “تطييب” خاطر المسرحيين الوافدين ودمجهم في الحراك المحلي، وفتح نوافذ الأمل لمبدعي “فئة الصم” ليكونوا جزءاً أصيلاً من خارطة الإنتاج الإذاعي والتلفزيوني؛ مما يمهد الطريق لنهضة درامية شاملة بالولاية تستوعب الجميع دون إقصاء، وتستصحب معها الخبرات الدولية لتصبح الشمالية منصة انطلاق لدراما سودانية جديدة تتجاوز حدود الجغرافيا المحلية.
■ تستوقفنا في هذا المحفل تجربة فرقة “صوت الصمت” بقيادة المؤلف والمخرج المبدع معتصم مصطفى، الذي نجح في فك شيفرة العزلة لهذه الفئة، ليقدم “درراً” فنية أثبتت أن الإعاقة لا تقيد الخيال؛ فهذه الشريحة التي ظلت مهملة لسنوات، تستحق اليوم رعاية خاصة ومنصات دائمة، لأن ما يقدمونه ليس مجرد تمثيل، بل هو انتصار للروح الإنسانية في أبهى تجلياتها، وفرض لواقع إبداعي جديد لا يعترف بالحواجز.
■ مع هذا النجاح الذي شهد به القاصي والداني، لابد من وقفات تقويمية شجاعة لتلافي بعض النواقص الفنية، ومنها ضرورة “تظبيط” الأنظمة الصوتية في المسارح المفتوحة لتناسب طبيعة العرض الحواري، وتكثيف الترويج الإعلامي عبر الوسائط الحديثة لجذب قطاعات أوسع، بالإضافة إلى أهمية توفير مطبقات تعريفية بالرواد المكرمين، لربط الجيل الجديد بتاريخ عمالقة الفن الذين صنعوا مجدنا بجهد مقدر.
■ يرتكز الرهان القادم على قيم الاستمرارية، وألا يكون هذا النشاط مجرد سحابة صيف عابرة أو مناسبة بروتوكولية سنوية، فالمسرح يحتاج لخشبة دائمة وورش تدريبية مستمرة لصقل المواهب، وتفعيل الشراكات الذكية مع المحليات لإنشاء مراكز ثقافية مصغرة في القرى والفرقان؛ لضمان أن تظل شعلة “أبو الفنون” متقدة في كل زاوية، تقاوم القبح بالجمال، وتزرع في نفوس الأجيال قيم الوطنية الصادقة.
■ المسرح في جوهره هو “المراية” التي تعكس تفاصيلنا الدقيقة بمرها وحلوها، لذا فإن دعم الكيانات الدرامية الناشئة بالولاية وتوفير التمويل اللازم لمشاريعهم الإذاعية والرمضانية يعد واجباً أخلاقياً ووطنياً؛ لضمان ألا تخفت أصوات المبدعين في زحام الأزمات المعيشية، بل تعلو لتطال عنان السماء في رحلة البحث عن وطن معافى، فالمبدع حين يجد السند يتحول إلى قوة دافعة للتغيير الإيجابي.
■ تظل الشراكة بين المؤسسات الرسمية والمجتمع المحلي هي “العشم” الذي نرتجيه دائماً لضمان نجاح أي حراك ثقافي، فما حققه نادي شيخ شريف من تلاحم منقطع النظير يؤكد أن الثقافة قادرة على قيادة قطار التنمية والوعي المجتمعي؛ إذا ما وجد المبدع الدعم والتقدير، وهو ما نأمل أن نراه واقعاً معاشاً في كل بقاع السودان التي تنشد السلام والحرية والجمال عبر بوابة الفن الرصين الذي يجمع ولا يفرق.
■ عموماً، ستبقى ليلة “شيخ شريف” محفورة في ذاكرة الدراما السودانية، كشهادة حية على أن الإبداع لا يموت بمرور الزمن أو قسوة الحروب، وأن المسرحيين هم حراس الهوية في زمن “الجايطة” والنزوح؛ ويبقى السؤال المعلق فوق خشبات المسارح المهجورة: متى يعود “أبو الفنون” بكامل حلته ليقرع أجراس العودة الشاملة في قلب الخرطوم، معلناً نهاية فصول المأساة وبدء فصل جديد من فصول البناء والجمال؟ الإجابة لا تزال تنبت في صمود هؤلاء المبدعين