الأعمدة

الخراب الصامت

روشتة في بريد الاسرة

اخصائي الصحة/ اسماء قسم الله

” التغيرات النفسية الاجتماعية ”
إن الاعتراف بـ “الخراب الصامت” هو الخطوة الأولى للإنهاء فالمجتمع الذي يستثمر في شفاء عقول أبنائه هو المجتمع الوحيد الذي يمكنه حقاً القول أنه انتصر في معركة الكرامة .
عندما تتوقف أصوات المدافع، وتبدأ الكاميرات بتصوير الركام، ننشغل جميعاً بحساب التكلفة المادية للحرب المباني المهدمة، الجسور المقطوعة، والاقتصاد المتضرر و لكن وراء هذه المشاهد المألوفة، يكمن دمار أعظم وأكثر خبثاً؛ خراب لا يُرى بالعين، ولا يُرمم بالإسمنت، إنه “الخراب الصامت” الذي يضرب في أعماق الإنسانية والنسيج الاجتماعي للمواطنين الحرب لا تنتهي بوقف إطلاق النار؛ لكنها تواصل معركتها الداخلية في عقول أجساد الناجين. التغيرات النفسية الاجتماعية العميقة التي تعيد تشكيل “الخريطة النفسية” للمجتمع، و تحوّل الأمان إلى قلق مزمن، والثقة إلى عزلة وتمتد الصدمة عبر الأجيال.
إن أول وأعمق أشكال الخراب الصامت هو التحول الجذري الذي يطال بنية الوعي والإدراك لدى الناجين فيصبح العقل نفسه ساحة معركة لا تنتهي بانتهاء القتال الفعلي، و يُعد اضطراب الكرب التالي للصدمة المؤشر الأبرز لهذا الخراب لا يتعلق الأمر بذكريات عابرة، بل بالعيش المتكرر للحظة الصدمة عبر الاسترجاع الومضي فيعيش الفرد، زمن اليقظة المفرطة حيث لا يهدأ الجهاز العصبي، ما يؤدي إلى فرط اليقظة(اضطرابات النوم) والخدرالعاطفي أي صعوبة الشعور بالفرح أو الارتباط و تتآكل الثقة الأساسية في أن العالم مكان آمن وموثوق. بعد رؤية أفظع أشكال العنف، يصبح العالم عدائياً، وتتحول العلاقات الإنسانية من مصدر للدعم إلى مصدر محتمل للخطر، وهو أساس العزلة النفسية.
فيحدث إجهاد جسدي حقيقي بارتفاع مستوى هرمون الكورتيزول مما يجعل الجسم في حالة الإنذار مثل الصداع التوتري، آلام المفاصل، وضعف الجهاز المناعي، إذا كان الخراب الصامت على المستوى الفردي يتمثل في تدمير الأمان النفسي، فهو على المستوى الاجتماعي يتمثل في تآكل شبكات الدعم والتعاون فالحرب تفقد الثقة بين المواطنين والمؤسسات، مما يعيق المصالحة الحقيقية ويكون هنالك شعور جماعي بالذنب لأنه نجوا بينما خسر آخرون، مما يثقل كاهل المجتمع ويعيق الاحتفال بالبقاء، النزوح القسري يمثل قطعاً جذرياً للروابط الاجتماعية. يجد النازح نفسه في بيئة جديدة تفتقر إلى شبكة الدعم التقليدية، مما يؤدي إلى فقدان الهوية الاجتماعية وتزايد السلوكيات السلبية كنتيجة لغياب الأطر الاجتماعية الضابطة ونتيجة ذلك يدمر الخراب الصامت المرونة الجماعية بتحويل جهود الأفراد من دعم الآخرين إلى الكفاح من أجل البقاء الذاتي. يتضاءل التعاطف، ويصبح التركيز منصباً على الحاجة الفردية، مما يؤخر بشكل كبير عملية الشفاء المجتمعي
إن أخطر ما يميز “الخراب الصامت” هو قدرته على العبور عبر حواجز الزمن. فآثار الحرب تُورّث نفسياً واجتماعياً للأجيال التي ولدت بعدها، فيما يُعرف بـ الصدمة المتوارثة حيث تنتقل الصدمة إلى الأطفال عبر سلوك الوالدين المتغير. الوالدان اللذان يعانيان من الصدمة النفسية يصبحان منسحبين عاطفياً أو مفرطين في الحماية، مما يخلق بيئة أسرية غير مستقرة يتعلم منها الطفل أنه غير آمن، ويكون أكثر عرضة للقلق والاكتئاب فتتأثر الأجيال الجديدة بالرواية التي ينسجها المجتمع حول الصراع، فبدلاً من رواية تركز على التعافي، قد يجدون أنفسهم محاصرين في رواية الضحية الدائمة أو رواية الحقد والانتقام، مما يعيق المصالحة الوطنية وبناء هوية موحدة، تؤثر الصدمة المتوارثة على إمكانات الأجيال الشابة من خلال تدهور التعليم (بسبب عدم القدرة على التركيز) والتأخر في التنمية الاجتماعية (بسبب ضعف المهارات العاطفية المكتسبة)، ندعو لإنهاء الصمت وبدء الترميم لان الدمار المادي مؤقتاً قابلاً للترميم، لكن “الخراب الصامت” يمثل تهديداً وجودياً لبقاء المجتمع ككيان سليم نفسياً و متماسك اجتماعياً.
إن إنهاء الحرب لا يكتمل إلا عندما نبدأ في معالجة هذا الخراب الخفي بجدية وإصرار. وهذا يتطلب تحولاً جذرياً في أولويات ما بعد الصراع ان نضع الدعم النفسي الاجتماعي ضمن أولويات إعادة الإعمار.
نواصل……
ودمتم بصحه وعافيه

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى