
الرشاقة الكَتَلَت إشراقة!
من أعلى المنصة
ياسر الفادني
في زمن تعاظمت فيه المنصات وتكاثرت فيه الأقلام، خرجت علينا ظاهرة غريبة تُغلف الجهل بغلاف السرعة، وتُغري السذج بلون السبق الإعلامي: إنها “رشاقة النسخ واللصق والنقل مع التصرف”، تلك الرشاقة التي قتلت “إشراقة”، وما أكثر الإشراقات في فضاء مفتوح على مصراعيه للفوضى المعلوماتية
كثيرون ممن يحملون صفة كاتب أو مدوّن أو هاوٍ، تسحرهم فكرة أن يكونوا أول من ينقل خبراً عسكرياً أو ينشر معلومة “مسربة”، غير عابئين بالعواقب، ولا مكترثين للمصلحة العامة، والأسوأ أنهم لا يميزون بين المعلومة والتحليل، وبين النصر والخدعة، فينساقون خلف ما يريده العدو تماماً
رشاقة الكتابة ليست دائماً فضيلة، بل قد تكون خيانة بدون قصد، وتتحول من نعمة إلى نقمة حين يُنشر خبرٌ عن تحرير منطقة قبل أن تُحكم السيطرة عليها، أو يُعلن عن إسم قائد في موقع ما بينما هو على رأس تحرك سري تلك الرشاقة قد تعطل هجوماً كاملاً، وقد تُربك غرفة عمليات، وربما تُهدي للعدو فكرة أو معلومة يُنتج منها محتوى مضاد يُحدث إرباكاً في صفوفنا أو إحباطاً في معنويات المقاتلين
أسوأ ما في الرشاقة غير المنضبطة أنها تُلبس الخطأ ثوب البطولة، فيظن المندفع أنه يخدم قضيته، بينما هو يشعل طاحونةً تدور بفراغ، لا تطحن سوى ماء الإشاعة، وتخبز سراب النصر الزائف، العدو أذكى مما نظن، وقد يُطلق شائعة مدروسة، فيتلقفها أحدهم، يطير بها فرحاً، وتدور على ألسنة الرشيقين أمثال “إشراقة”، ثم يخرج العدو ليكذبها، ويظهر بمظهر الصادق، وهنا تبدأ “الفقاعة”، ويبدأ التشكيك في كل خبر صحيح، ويُدفن نصر حقيقي تحت ركام الأكاذيب
ليس كل من كتب يعلم، وليس كل من أسرع أفاد، المعلومة العسكرية ليست خبراً عادياً، بل هي سلاح ، والسلاح لا يُوزع على الهواة، ولا يُفتح له باب على مصراعيه، لا عذر لمن ينقل خبراً يضر جيشه ثم يقول: ظننت أو حسبت أو قرأت!
الرشاقة التي قتلت “إشراقة” ليست خطأها وحدها، بل خطأ كل من يرى أن “السبق” أهم من “التحقق”، ومن يظن أن “المعلومة” كالغنيمة، لا يُسأل من أين أتى بها، هذه الرشاقة ليست مطلوبة في ميدان الحرب، بل هي وبال عليه
إني من منصتي أنظر….حيث اقول : يا إشراقة، ويا كل من يحترف النسخ والتعليق وركوب موجة البطولة الزائفة، خذوا نفَساً، راجعوا المصدر، ولا تنشروا إلا ما قالته الجهات المختصة
فالجيش يقاتل، وأنتم تُنشرون، هو يُخفي تحركاته، وأنتم تكشفونها، هو يدفع الدم، وأنتم تسعون خلف “ترند”.
كونوا عقلاء، فالزمن ليس زمن رشاقة، بل زمن وعي و تثبت .