
السودان وإفريقيا بين رهان السيادة وتحديات التدخل الدولي
سعد محمد عبدالله
لقد تحررت دول إفريقيا عبر مسارات طويلة من النضال الشعبي، حيث قدّمت الشعوب تضحيات كبيرة في سبيل نيل إستقلالها وإستعادة سيادتها الوطنية وكرامة شعوبها، ولم يكن ذلك نتيجة مؤتمرات القوى الإستعمارية التي كثيرًا ما كانت تُعقد لترتيب مصالحها وإعادة إنتاج هيمنتها السياسية والإقتصادية بوسائل جديدة، وفي هذا السياق، يثير الحديث عن مؤتمر برلين المرتقب، الذي يُعقد دون مشاركة حكومة السودان، تساؤلات مشروعة حول الأجندات الحقيقية الكامنة وراء أهدافه المعلنة؛ فالتاريخ الإفريقي حافل بتجارب مماثلة، حيث استُخدمت مثل هذه المنصات لإعادة رسم ملامح النفوذ الخارجي على حساب الإرادة الوطنية، ومن هنا، فإن المبدأ الثابت الذي لا يقبل الجدل أو المساومة هو أن مصير السودان لا يمكن أن يُحدَّد إلا بإرادة شعبه، وأن أي محاولة لتجاوز هذا المبدأ تمثل إنتقاصًا من السيادة الوطنية وتفتح الباب أمام مزيد من التعقيدات السياسية؛ كما أن تناول القضايا الإنسانية بمعزل عن رؤية الدولة ومؤسساتها لا يؤدي إلى حلول مستدامة، بل يُسهم في تعميق الأزمة من خلال فرض تصورات لا تنبع من الواقع المحلي، ولا تراعي خصوصياته، ولا تعبّر عن تطلعات الشعب.
إن المدخل الحقيقي لمعالجة الأزمة الإنسانية في السودان لا يكمن في عقد المؤتمرات الدولية بعيدًا عن أصحاب القضية أو إصدار البيانات السياسية، بل في إتخاذ خطوات عملية وجادة لوقف الحرب وتجفيف منابعها، ويأتي في مقدمة هذه الخطوات ممارسة ضغط دولي حقيقي على الجهات التي تموّل النزاع وتغذّيه، بما في ذلك وقف تدفق السلاح ومنع عمليات تجنيد المرتزقة من خارج الحدود، وهي ممارسات ساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر في تصعيد وتيرة العنف وإرتكاب إنتهاكات جسيمة في المناطق المحتلة والمحاصرة، من بينها جرائم الإبادة الجماعية والتهجير القسري ونهب الموارد وتدمير البنية التحتية، ولا يمكن فصل هذه الإنتهاكات عن السياق الأوسع للصراع، الذي بات يهدد وحدة الدولة ويقوّض فرص الإستقرار على المدى الطويل، ومن هذا المنطلق، فإن تحقيق السلام يظل الخيار الأكثر واقعية وإنسانية، ليس فقط لإنهاء معاناة المدنيين، بل أيضًا لتهيئة البيئة المناسبة لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة تقوم على قيم الحرية والعدالة والمشاركة السياسية والتنمية المتوازنة.
في موازاة كل ذلك، تتجه أنظار المراقبين السياسيين والإعلاميين إلى عدد من الدول الإفريقية مثل “جيبوتي والصومال وبنين”، حيث تستعد شعوبها للتوجه إلى صناديق الإقتراع لإختيار قيادات المرحلة القادمة، في ظل أوضاع إقليمية تتسم بالهشاشة البنيوية والتحديات الأمنية المتزايدة في منطقة القرن الإفريقي والساحل، وتتعاظم في هذا السياق أدوار المنظمات الإقليمية، مثل الإيقاد وإيكواس وتحالف دول الساحل الإفريقي، والتي تتحمل مسؤولية كبيرة في دفع مسارات الحوار الشامل وتعزيز فرص السلام والوحدة على أسس الإستقلال والمصالح المشتركة؛ فالتحول الديمقراطي في إفريقيا لم يعد مجرد شعار سياسي يُستخدم في المواسم أو في أوقات الحوجة، بل أصبح ضرورة تاريخية تفرضها تطلعات الشعوب نحو بناء دول قوية ومستقرة تستند إلى شرعية شعبية حقيقية، سواء عبر التوافق الوطني في الحالات الإستثنائية أو من خلال الإنتخابات الحرة التي تُرسّخ مبدأ حكم الشعب؛ غير أن نجاح هذه التحولات يظل مرهونًا بقدرة القوى السياسية على تغليب المصلحة الوطنية على الخروج من دوائر الإنكفاء السياسي والحسابات الإيدلوجية الضيقة، وبمدى إستعدادها للجلوس على طاولة الحوار الوطني وتقديم تنازلات متبادلة من أجل تحقيق الإستقرار.
بينما تتواصل هذه التحولات السياسية، لا يمكن إغفال التأثيرات العميقة للتغيرات الجيوسياسية العالمية على واقع القارة الإفريقية، خاصة في ظل الحروب الكبرى التي تُلقي بظلالها على الإقتصاد العالمي؛ فقد إنعكست هذه الأوضاع بشكل مباشر على إقتصادات العديد من الدول الإفريقية، حيث شهدت إرتفاعًا ملحوظًا في أسعار الوقود وتكاليف المعيشة، كما هو الحال في “غانا وتنزانيا وغامبيا ومالاوي”، الأمر الذي يزيد من حجم الأعباء على كاهل المواطنين ويهدد الإستقرار الإجتماعي، وهذه التحديات تفرض على القادة الأفارقة ضرورة التحرك العاجل للتعامل مع تلك المتغيرات عبر آليات العمل المشترك، وفي مقدمتها عقد قمة طارئة للإتحاد الإفريقي لوضع سياسات إقتصادية وقائية تحدّ من آثار الأزمات العالمية التي لا نتوقع توقفها قريبًا؛ كما يتطلب الأمر إعادة تقييم التوقعات السابقة والإستراتيجيات الإقتصادية القائمة، وتعزيز الإعتماد على الموارد الذاتية، وتطوير شراكات إقليمية فعّالة تمكّن القارة من مواجهة التحديات بروح جماعية، وفي نهاية المطاف، يبقى تحقيق الإستقرار السياسي والإقتصادي في إفريقيا رهينًا بمدى قدرة دولها على توحيد رؤاها وتنسيق جهودها، بما يضمن مستقبلًا أكثر أمنًا وإزدهارًا لشعوبها.