
وجع ضُرس
عبد الكريم محمدفرح
في صراعٍ طويلٍ وقديم، بين الفلسفة والشعر يقول الفيلسوف أرسطوطاليس : بكتابه “في الفن الشعري” على أن “شعر الملحمة والمأساة، وكذلك شعر المَلهَاة والأسطورة، ومعظم العزف على الناي وعزف القيثارة، يُنظر إليها كلها، أنماط محاكاة تقليدية.
ويؤكد أرسطو على أن المحاكاة الشعرية بمختلف صورها تكون متصلة أو ذات قرابة فيما بينها. أي إن الشاعر يُقلد ويُحاكي لا أكثر.
إن هذا التشخيص الفلسفي للشعر، يُراد منه إبراز مفهوم الواقع على أساس المفهوم العقلي له. وبمعنى آخر، إن الواقع بكل أشيائه وظواهره يمكن إدراكه بالعنصر العقلي لا بعنصر أدنى منه.
ده كلام فلاسفة ساي ما علينا بيهو !!! كدي نشوف الواقع !!
جمعتني مكالمة هاتفية، بالشاعر اللطيف محمود الجيلي تحدثنا فيها عن بكور بعضنا البعض، حدثته عن الوطن الذي أصبح طارداً، وأن مكوثي بمدينة بورتسودان خلق مني مسخاً مشوهاً، إذ تغيرت نظرتي لمعنى الوطن فقد أصبحت مغترباً داخل وطني، فكلما سنحت لي الفرصة، أغادر مسرعاً فرحاً لأقابل أسرتي ،، أصدقائي وحتى معارفي، لكن يا محمود ما عندي خيار ولا بديل في النهاية ده السودان وطني الذي أحبه.
صمت لبرهة ثم قال دي ما قصيدة ياخ، وعدني أنه سيسعي ليحول إحساسي لقصيدة عصماء، ستلحن وستغنيها لينا قاسم، لم أسأله لماذا لينا تحديداً. ولكن ثقته العالية جعلتني أشعر بأنني ملهمٌ للغاية.
توادعنا على الخير وبالخير فهو أبن طابت الشيخ عبد المحمود فقد أخذ من إسمها كثيراً فهو طيب الحديث والشعر والمعشر والأخلاق.
خرجتَ الأغنية بما لا يوصف، أعلى مما توقعت وجدت فيها ما يمثل حالتي وواقعي وإحساسي؛
ما لقيت غيرك محنة ،، ولا لقيت غيرك وطن
وعمري ما اتخيلت أمشي ،، ومرة ييبعدني الزمن
عمري ما اتخيلت نيلك ،، يوم يسيل بالهم عليك
أو دموع الشعب كلو ،، يوم حتنزل من عنيك
عمري ما اتخيلت أرضك ،، يوم تحس بالغربة فيك
يا بلد في قلبي عايش ،، بكرة بالأفراح اجيك ..
خلق محمود من إحساسي المعطوب نصاً مليئاً بالشجن (طعم وريحة ولون)
وبذات الحماس والمحبة والشجن الذي يلازمني، يومياً وعلى مدار سنة وأكثر وربما مرتان باليوم أستمع لأغنية “مِحِنة” بصوت أحمد فتح الله في تسجيل أغاني وأغاني، تكتمل الصورة لدي إكتمال القمر في ليلة الرابع عشر من الشهر القمري.
وحقيقةً تُعبر عن حالتي تماماً بل حالة الكثيرين ،،
الناس الزينا نحن
من محنة نقع في محنة
الشقى في عيونا يتاوق
الهم في الدم والسحنة
هل فعلاً،، الهم في الدم والسحنة !؟؟
وعندما يأتي مقطع
بأبسط حاجة بنفرح ،، بي كلمة وشوفة صاحب
بأبسط هم نتجرح ،، بالغم وضمير الغائب
يصيبني ما يصيبني، بعد سماعه فبرغم بساطة الكلمات الا أنني في كل يوم يتصدر لي شعورٌ جديد بالمِحنة.
يُمثل محمود الجيلي فنان الأغلبية الشبابية لغزارة الإنتاج والتنوع وفهو مجددٌ وعبقريٌ في صناعة الشعر وتصميم الشعر على قالب المغني ،، فهو الذي كتب “ساعة كانت أحلى من العمر كلو” لصديقي شكر لله عز الدين، و”حلوين هديل شايلين معاي الريدة زاهر وسوسنها” لهدى عربي وبذات التميز سطّر بأنامل من ذهب “الناس معادن” لمعتز صباحي ولعل إيقاعها الشرقي وريشة زهير الباقر في العود ، ياهمت بشكل كبير في توصيل الصورة الفنية التي تعكس جمال الكلمات والتي أضفي عليها معتز صباحي لحناً عبقرياً واداءاً خيالياً، ومثلها لحسين الصادق “الحبيب اشقاني شوقو” وما أدراك ما شقاء الشوق، ولا ندري لكن إجمل ما تغنى به الجزار من كلمات الجيلي فهي نعمة خطها يوم زواجه لزوجته نعمة ،،
بينا المحبة مقسمة ،، يا نعمة من رب السماء
يا سمعي في همس الكلام ،، يا شوفي في زمن العمى
غير ذلك كله، كتب محمود الجيلي أشعار كثيرة لم تتوسل لصوت المغني لتصل للجمهور، فيكفيه فخراً أنه كتب
“نحن مرقنا مرقنا ،، ضد الناس السرقو عرقنا”
فما بين البن في النار وفلسفة الشعر الواقعي وترجمة الإحساس المباشر إلى كلمات وألحان تهدهد أمسياتنا وتؤنس وحشة دواخلنا المرهقة، يجلس محمود الجيلي صلاح الدين ملكاً متوجاً على عرش النغم والإبداع.
ما قلت ليكم الكلام الفي البداية ده كلام فلاسفة ساي !!!
الصورة
ففي كل الحروف نفخت روحاً
وأحييت المحبة في نصوصي
إنتهي !