مقالات

عبدالمعين في طاحونة الخواجة


بقلم :ابراهيم احمد الحسن
اتكأ سالم بيده اليسرى من فرط التعب علي الفوهة المخروطية العلوية للطاحونة ثم جعل يده اليسرى علي خاصرته و مال بجسده المنهك تجاه الطاحونة ،، كان يحرر يده اليمنى من فوهة الطاحونة ليجعلها في مخرج بوابة العيش الذي يتساقط بوتيرة منتظمة داخل الطاحونة مستقراً بين الحجر والرحى حيث يتم طحن العيش وسحنه ، كان سالم يتحسس حبات العيش بأنامله ببراعة خبير وربما يلحظ بينها قطعة صغيرة من الحصى او طين الحقل تسربت بين ايدي طقوس الحصاد وجاءت في جوال العيش من القضارف رفقة نملة . وعندما يلحظ سالم هذه القطعة المتفلتة يلتقطها ببراعة ثم يقذف بها خارج مبنى الطاحونة .
الاصوات الرتيبة التي تصدرها الطاحونة تصيب سالم بحالة من الانتشاء ، حالة تنتابه من رتابة ايقاع ضجيج حركة الطاحونة الميكانيكية العنيفة وانتظام ضربات رزم مولد اللستر الذي بدورانه تدور الطاحونة . السير الكتاني الذي يصل الطاحونة بمحركاتها ينسرب من خلال فتحة في الحائط الي خارج الغرفة حيث يوجد ذلك المحرك الذي يدير الطاحونة ، وبين حجري رحا الطاحونة يتم درش العيش وطححنه ثم سحنه الي ان يخرج دقيقاً ناعماً من الفوهة السفلى للطاحونة والتي تغطيها قطعة من قماش الكتان تلتف حول الفوهة في شكل اسطوانة توجه مسار الدقيق الي الاسفل حيث يصب رذاذ الدقيق في ماعون من الصفيح ومنه الي الماعون الذي اتي به الزبون . دوران العيش بين سندان الحجر ومطرقة الرحى يجعل السحن والطحن يكتمل في نظامٍ بديع وبسيط يعتمد علي الحركة المكانيكية لحجر الطاحونة.
الطاحونة التي يعمل بها سالم تقع في الطرف الغربي من الحي العريق في آخر الطريق الي مقابر البلدة القديمة، لم يك الطريق الي الطاحونة ابداً سالكاً اذ تتكوم فيه الكثبان الرملية فتعيق حركة المشاة والدواب والسيارات فاتخذ زبائن الطاحونة مسار يمر بالقرب من المنازل فصنعوا طريقاً رصفوه بكثرة المشي فصيروه طريق داخل طريق .
سلك عبدالمعين ذاك الطريق مراراً منذ طفولته مرافقاً اخوته الكبار يحملون العيش من والي الطاحونة وعندما شب عبدالمعين عن الطوق واصبح قادراً علي حمل مواعين العيش اصبح هو وحده من يسلك هذا الطريق الي الطاحونة كل حين . العيش الذي كان يحمله عبدالمعين الي الطاحونة كان من غالب عيش اهل المدينة التي يعيش فيها ، كل انواع العيش حملها عبدالمعين الي الطاحونة ومثلما تعدد انواع واصناف العيش تنوع سكان مدينته في السحنات وثقافات الاقاليم التي اتوا منها مما اثرى هذه المدينة غنى فاحش في التنوع الذي استطاع ان يرتق النسيج الاجتماعي بها وجعل الجميع يعيشون في وئام وتداخل عجيب ، شد اواصر العلاقات الاجتماعية بين سكانه ، وشتل للمحبة بذور سمقت اشجار تعانق السحائب الماطرة في طريقها الي عنان السماء ، فإخضرت فيافي بلدة عبدالمعين بكل ما هو جميل ، شاد هذا التنوع الجميل صروحاً شامخة من الوحدة والاهتمامات المشتركة ، علت قيمة المدينة عند سكانها وشمخت فوق كل ما عداها ، وسرى حبها بين كافة من قطنوا بها وتباروا في اعلان ذلك الحب بلا مواربة.تنافسوا في مضامير الرياضة والثقافة والاكاديميا من لا يفوز يشد علي يد من الحق به الهزيمة في خلق رياضي عال ، ومن تم صرعه في مبارزة شعرية محضورة يمد يده للفائز في هذه المبارزة وفي كل الاحوال لا تعدو ان تكون مبارزة تسيل فيها مشاعر من حضرها من الناس جداول من الحب والادب الرفيع . اما في ساحات الاكاديميا والدرس فما كان يمثل الترتيب الاعلى في درجات النجاح سوى وسيلة للتفاضل بين الممتحنين ،فيكون الاول عضداً لمن تأخر يعينه بالشرح والاستذكار المشترك فيحس بطعم النجاح وطعم الدروس من جاء ترتيبه الاول او الاخير .في هذه المدينة العجيبة يحمل عبدالمعين العيش الي الطاحونة .
وبمثل تنوع السكان في هذه المدينة تتنوع الانواع العيش واصنافه والتي تصير طحيناً يميز المائدة في المدينة عن ما عداها ، ويجعل مدينة عبدالمعين جوهرة الوسط في عقد البلاد النضيد ، فقد حمل عبدالمعين الزناري ، والصفراء والدَّبَرْ وود احمد و الذرة الحبشية وطابت والفتريتة والصفراء والمايلو وقدم الحمام والقصابي والدخن وود عكر اضافة الي القمح. ما اجمل هذا التنوع قولوا لي بربكم اي مدن العالم تنتج هذا التنوع في الكم والكيف وفي سلعة واحدة هي عيش الذرة . دستة من الانواع اعددها من الذاكرة فما بالكم لو جاء من اقصى المدينة مختص يحدثنا عن الذرة وانواعه في السودان ؟.
في هذا الجو الصحي نشأ وترعرع عبدالمعين حمل في جوانحه وتحت الحنايا كل ما هو جميل وسمح من الخصال والصفات والقيم فحمل الشجاعة والشهامة المروءة والنباهة والنبل والايثار والصدق والكرم والجود حمل معه كل خلق جليل وادب رفيع وحمل العيش الي الطاحونة .
كانت اسمها طاحونة الخواجة ، ولم يك صاحبها خواجة باي حال انما كان من غمار سكان هذه المدينة ،ولكن جرى الاسم وساد وصارت كنية الخواجة تلحق الطاحونة . كان يعمل فيها عبدالنبي مشغل اول وسالم مشغل ثاني ، يحي آتى من جهة غير تلك التي أتى منها سالم وغير تلك التي اتى منها الخواجة صاحب الطاحونة وغير تلك التي تمتد فيها جذور عبدالمعين بعيداً في السودان كله.
كانت من مهام سالم غير الصيانات الخفيفة والاعطال الطارئة القيام بأعمال مهمة جداً تتعلق بصيانة حجر الطاحونة ويا له من عمل دقيق ومهم . وقد كان عبدالمعين يقضى وقتاً طويلاً وهو ينظر الي عملية صيانة حجر الطاحونة ، فقد كان سالم يجلس علي الارض ويضع حجر الطاحونة الذي تم فكه بعيداً عن رحى الطاحونة ، يضعه امامه ويمسك بمطرقة ليقوم بنحت الحجر في مسارات تنتهي بصنع اشكال مثلثة مع فراغات تهبط بالنحت بين كل شكل وآخر ، وفي ميكانيكا الطاحونة هي التي تقوم بسحن العيش وطحنه عندما يدور محور الطاحونة ومعه الحجر . كان سالم يمسك بيده مطرقة ويضع نظارة شمسية علي عينيه لتقيها من اي اصابات قد تلحق بها جراء تطاير ذرات من المادة التي صُنع منها الحجر ، عملية النحت التي يقوم بها سالم في براعة وحنكة هي عملية دقيقة ولا يستطع انجازها الا من أوتي صبراً وجلداً وقوة يحرك بها الحجر ويديره ذات اليمين وذات الشمال ويقلبه بين يديه كما يحرك الطفل لعبة صغيرة . وزن حجر الطاحونة ثقيلاً ومع ذلك ما كان يصعب علي سالم تحريكه فقد اعتاد ذلك منذ زمن طويل منذ ان كان يعمل صبي طاحونة في طاحونة (زاهي ود العياشي ) حيث تعلم اصول المهنة وتخصص في عمليات الصيانة ونحت حجر الطاحونة . اضافة الي مهامه تلك كان يعمل سالم في
تشغيل الطاحونة الميكانيكية في طاحونة الخواجة ، اذ انها كانت تتكون من جزئين الاول طاحونة ميكانيكية يديرها محرك انجليزي عتيد يعمل بالوقود الاحفوري ( من صنف الجازولين ) ويشغلها سالم والثانية كهربائية تتصل الطاحونة بموتور كهربائي يعمل بالكهرباء يتحرك محوره لينقل حركته الي الطاحونة عبر سير من القماش الكتاني القوي .وهذه الاخيرة يديرها عبدالنبي الذي هو اكثر خبرة ومعرفة بادارة واجراء الصيانات الخفيفة المرتبطة بالموتور الكهربائي .
الحجر الذي تم وصفه يعمل في تناغم مع العيش الذي يدور متلاطماً داخل فراغ الطاحونة المصمت بالحديد فيدور الحجر في حركة سريعة، تمكن من اتمام عملية الطحن والتي رأس حربتها هو حجر الطاحونة الذي يقوم سالم بصيانته ويقوم عبدالمعين بالتمعن في عملية الصيانة. كان سالم يضع الطاحونة في حالة السكون والراحة ريثما ينتهي من نحت الحجر ولكنه في ذلك اليوم قرر ان يعهد بعملية تشغيل الطاحونة الي عبدالمعين وقد لاحظ ذكائه وسرعة بديهته وتعلمه السريع لكثير من الاعمال داخل الطاحونة . طلب سالم من عبدالمعين تشغيل الطاحونة ومراقبة حركة العيش وطحنه . سعد عبدالمعين بهذا التكليف المهم وتولى (ادارة تشغيل الطاحونة ) ،سالم الذي كان يجلس تحت ظل شجرة النيم الضخمة التي تكاد تسد مدخل الطاحونة والطريق اليها كان يرفع رأسه ليري ما يصنعه عبدالمعين في عملية الطحين ، استطاع عبدالمعين وبكفاءة عالية من انجاز تجربته الاولى في تشغيل الطاحونة ، اشاد به سالم ثم طلب منه المواصلة . وعندما تتاح ل عبدالمعين مساحات من حرية الحركة فإنه يبدع. ولكن ابداعه هذه المرة كان مكلفاً للخواجة مالك الطاحونة ولسالم مشغل الطاحونة .
فكر عبدالمعين في انتاج دقيق من خليط العيوش ، فصار يكيل من كل نوع مكيال هين فخرج بخليط من تسعة اصناف واضاف اليها كيل من القمح الاحمر وقليل من القمح الابيض ،ثم صب خليطه هذا في فوهة الطاحونة .
صوت تغير الحركة عندما ينتهي طحن دقيق زبون ووضع عيش ل زبون جديد ، هو ما يميز انتهاء مرحلة وبداية مرحلة جديدة .لفت انتباه سالم امتداد الصوت علواً ،اذ ان فاصل تغير الصوت استغرق فترة اطول ،فهرع الي الداخل وهو يري عبدالمعين يعاني في حمل اناء الطحين قبل ان يصبه في الفوهة المخروطية العلوية للطاحونة . انتظر عبدالمعين نتاج خليطه دقيق . يستقبله عند الفوهة الاسطوانية المصنوعة من الكتان عند النهاية السفلى للطاحونة . وقف سالم محتاراً ماذا يفعل ولا سبيل الي ارجاع الخليط من الفوهة المخروطية للطاحونة . وقبل ان يوبخ سالم عبدالمعين علي ما فعله حتى انبرى التاجر الذي اتى ليأخذ شئ من الطحين الجاهز ، فيشير بيده لسالم ان قف عن لوم الصبي وتعنيفه ، ثم يردف قائلاً انه علي استعداد لدفع قيمة ما خسره الخواجة جراء عملية عبدالمعين . رفض سالم عرض التاجر وقال له انه مستعد لتحمل الخسارة ولكنه ما اراد الا تنبيه عبدالمعين لخطأ شنيع ارتكبه .
حمل عبدالمعين الخلطة السحرية الي بيت عمته فما كان يجرؤ ان يعود بنتاج فعلته الي منزله دون ان يناله من العقاب ما يناله ، عمة عبدالمعين تفهمت ما قام به وهي دائما حائط الصد الذي تتكسر فيه كل اخطاء عبدالمعين علي عتبة السماح والاريحية والعطف والحنان عندها . وفي ذلك اليوم وعلي مائدة عمته تناول عبدالمعين احلى واطعم كسرة خبز في حياته ، كسرة مصنوعة من خليط (عيوش السودان ) ويا لها من خلطة سحرية ، حاز فيها عبدالمعين علي قصب السبق فيها .

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى