الأعمدةوجع ضُرس

يسري الضو .. بالمحبة نحيا

وجع ضرس
عبد الكريم محمد فرح

‎كان الكاتب الفرنسي المعروف أندريه موروا، قد طرح على أحد الأطباء النفسانيين الكبار هذا السؤال: هل جميع الروائيين العباقرة رجالاً ونساء هم مرضى نفسانيون مهووسون، مجانين؟ !!
‎فرد عليه الطبيب قائلاً: لا، الأصح أن نقول إنهم كانوا سيصبحون مجانين لولا أنهم أصبحوا روائيين عباقرة.
‎العُصاب النفسي يا سيدي هو الذي يصنع الفنان، والإبداع العبقري هو الذي يشفيه، لا عبقرية من دون حبة جنون!!! وذلك لأن الجنون هو الذي يشجعك على الإقدام والاقتحام. «لحظة حسم القرار ،، لحظة جنون». الإنسان العادي، الطبيعي، لا يتجرأ على حسم قرار، لا يتجرأ على تجاوز الحدود أو انتهاك المحرمات يخضع للمسلمات وبالتالي فلا يمكن أن يبدع شيئاً، ربما هذه فائدة جرعة معينة من الجنون.
ما علينا ياخ !!
‎يمثل الباشمهندس يسري الضو صوت الاغلبية الصامتة بتاركو للطيران، يمشي كدرويش في حمد النيل ينجذب ويغرق في الذكر ويغرق أيضاً في الحياة وتأملاتها، لا يحاول استمالتك إليه، ولا التعرف على اغواره، قابلته مصادفةً فصرنا أصدقاء، لا يكل ولا يمل،، مصادمٌ غيورٌ على نفسه وعلى أصدقاءه.
لا يحكي الا لمن يحب، ولا يستمع لأحد سواء أحبابه، يحكي أحاديثه من القلب بث مباشر ،، الشباب يسمونه “جدك” ينام في عنقريب هبابي بسطوح العمارة بي عراقي مشرط وكأنه غفير للمبنى.
ترك مقاعد الدراسة مبكراً بعد الثانوي ليعمل في المباني، يحبُ أن يبني، يشغل لديه البناء وأنواع الطوب وشكل المباني والمونة السمحة حيزاً كبيراً في تفكيره وحياته.
في إحدى وردياته كعامل بنيان يناقشه أحدهم قائلاً – ياخ أرجع اقرأ الجامعة – أن زول ذكي وممكن تكون حاجة كويسة تحركت بداخله تساؤلات عديدة أردفها بقرار أنه سيمتحن رياضيات تخصص، فالقرار لديه لا يتخذ الكثير، عاد الي مسقط رأسه (دلوت البحر) بقي هناك حتى أمتحن الشهادة، عاد حاملاً شهادته، وذهب لجامعة السودان، ليجد أنه لا توجد شواغر للميكانيكا التي هي رغبته الأولى، وجد شاغراً في هندسة وميكانيكية الطائرات.
لا تعرف أنه مهندس طيران إلا في حديث عارض عن الهندسة والطيران أو بمعية مهندسين عندما يستنطقونه ويتحدث عن أنواع المحركات وطراز الطائرات، يتحدث بنهم وبحب كبير بعمله، تجده حايم في الشارع بجلابية وشبشب كسائق تُكتك بسوق 6 بالحاج يوسف، لا تظهر عليه الدعة ولا ترف العاملين بمجال الطيران، أغبش غباشة ذي الفول المدمس.
يبدأ أحاديثه دائماً عن الحياة بجملة عجيبة “نحن في النهاية حنموت” تخوص بك هذه الجملة في أغوار أكثر وضوحاً تمنحك شعوراً بأن كل شيءٍ ماضٍ الي زوال.
تم تعينه كمساعد مهندس لورشة صيانة الطائرات بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا يعمل متخصصاً في صيانة الطائرات الصغيرة بطراز معين، ومن ثم مشرفاً عن الرحلات العلمية للطلاب، وأنطلق مسيرة مليئة بالإنجازات العلمية والعملية وركوب الرأس.
وفما بين نوفا ومارسلاند وطيران الجيش وتاركو تدرج الباشمهندس يُسري الضو ليكون أحد ركائز ميكانيكا الطائرات بالسودان حاملاً أعلى الشهادات في مجال نادر ومهم، وغيرها من الرخص والشهادات العلمية التي تجعله في مصاف المهندسين الأفذاذ.
فمن دلوت البحر وطرطارة وسهول البطانة، والحارة التامنة والدافوري ومروراً بوالده عمك الضو النجار وتقديمه للكلية الحربية وتركها بعد رفض والدته للجيش، وعمله بطلبة ومساعد بُنيان إلى مهندس مرخص لصيانة طراز Point 737-800.
فهو الآن بمثابة مدرب المدربين لهذا الطراز ويعتبر هو الخبير والمناقش الخارجي المعتمد للصلاحية بسلطة الطيران المدني السوداني.
هي مفارقات وحكايا تأخذنا على محمل التأمل والتفكير بها، فتهبنا الغموض ونبادلها الإندهاش.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى