
يفخر بيك رجال شكيري والخرطوم
من أعلي المنصة
ياسر الفادني
في الحروب لا تكشف البيانات الصحفية حقيقة القادة، بل تكشفهم لحظات الخطر، هناك، عند أول رائحة للبارود، يسقط القناع عن الشجاعة ويظهر الفرق بين من يقود الرجال ومن يختبئ خلفهم
حين وصل الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان إلى قرية شكيري كانت خطوة تحمل معنى أبعد من الكلمات
القائد العام وقف في المكان الذي ضربته الطائرة المسيّرة، في بقعة ما زال فيها صدى الانفجار حاضراً ووجع الأسر ماثلاً في العيون، لم يرسل تسجيلاً صوتياً، ولم يكتفِ ببيانٍ بارد، بل حضر بنفسه، كأنما يقول إن القيادة ليست خطاباً يقال من بعيد، بل موقف يُعاش في قلب الخطر
القائد حين يقف وسط أهالي الشهداء لا يواسيهم بالكلمات فقط، بل يرسل رسالة أقوى من أي خطاب: أن الدم الذي سُفك هنا ليس معزولاً عن الدولة، وأن من يقود المعركة لا يخاف أن يقترب من مكان النار
في الجهة الأخرى يقف نموذج مختلف تماماً، قيادة لا تُرى إلا حين يخرج تسجيل صوتي مرتبك، يواسي أنصارها كلما هلك أحد قادتها، لا زيارات، لا حضور، لا مواجهة مع الواقع، مجرد صوتٍ يطفو في الهواء، كأن صاحبه يقود معركة عبر الميكروفون لا عبر الميدان ، وهنا يظهر الفارق الفادح بين شخصيتين؛ الأولى تفهم أن القيادة مسؤولية تُحمل على الأكتاف وسط الناس، والثانية تتعامل معها كخطابٍ يُرسل من مخبأ ، الأولى تدرك أن القائد يجب أن يكون أول الواصلين إلى موضع الألم، والثانية تحسب خطواتها حتى لا تقترب من دائرة الخطر
زيارة البرهان لشكيري كانت في جوهرها رسالة مركبة، رسالة للمليشيا بأن الحرب لن تُدار بالخوف، وأن من يقود الجيش لا يتردد في الوقوف حيث تضرب الطائرات المسيّرة، ورسالة للجيش نفسه بأن قائده حاضر بينهم لا غائب عنهم، لكنها كانت قبل ذلك رسالة للشعب السوداني: أن هناك فرقاً بين من يقود المعركة بوجه مكشوف، ومن يقودها بصوتٍ مسجل
اني من منصتي انظر … حيث اري…. أن القادة الحقيقيون يُعرفون عند مواقع الدم، لا عند أجهزة التسجيل ، والتاريخ دائماً يكتب الفرق بوضوح قاسٍ:
هناك من يمشي إلى النار ليقف مع شعبه…
وهناك من يهرب من ظلها ويكتفي بإرسال صوته…. وصدق ود الحسين شاعرنا عندما انشد قائلا
شدو لك ركب فوق مهرك الجماح.. ضرغام الرجال الفارس الجحجاح! .