
الإجابة على أسئلة العدالة للأفارقة في واقع العالم المعاصر
سعد محمد عبدالله
عند قراءة التاريخ الإفريقي، تتجلى بوضوح ملامح الظلم المركب الذي تعرضت له شعوب القارة عبر قرون طويلة، والسودان من النماذج المطروحة للتأمل، حيث أدى تداخل الإستعمار مع الإستغلال الطبقي إلي إنتاج واقع مأساوي قائم على سلوك نهب الموارد الطبيعية والبشرية، ويمكن تلمّس ذلك عند مطالعة كتب التاريخ، لا سيما كتاب «العبودية في إفريقيا والتاريخ المفقود» للكاتبة عايدة العزب موسى، الذي يُعد من المراجع المهمة في هذا المجال؛ فقد مارست قوى مختلفة، عبر عصور متعددة، أشكالًا ممنهجة من القهر والإستعباد، وكان من أبرزها تجارة الرق التي إستهدفت الإنسان الإفريقي بوصفه سلعة تُعرض وتُباع وتُشترى خارج منظومة الأخلاق والقانون والعرف الإنساني، وفي هذا السياق، يبرز العصر العباسي كأحد المراحل التي شهدت إضطهادًا قائمًا على اللون والعرق، فجاءت ثورة الزنج في العراق تعبيرًا واضحًا وصارخًا عن رفض هذا الواقع المرير، إذ إنتفض المستعبَدون في وجه القهر مطالبين بالحرية والكرامة والمساواة في الحقوق الإنسانية، ولم تكن تلك الثورة مجرد حدث عابر، بل شكّلت شاهدًا تاريخيًا يعكس قدرة المظلومين على مقاومة الإستبداد، وعلى الرغم من إنتهاء أشكال الإستعمار التقليدي، فإن ممارساته لم تتوقف حتى اليوم، بل أعادت إنتاج نفسها في صور جديدة تعتمد على أدوات غير مباشرة لكنها مؤثرة، مثل سياسة دعم المليشيات المسلحة وصناعة الوكلاء المحليين لخدمة مصالح خارجية، فضلًا عن نشر المخدرات في البلدان الأقل نموًا بما يسهم في تفكيك المجتمعات، ومع ذلك؛ فإن هذا الإرث الثقيل لا ينبغي البتة أن يتحول إلى قيد يعطل مسيرة الأجيال الجديدة، بل يجب أن يكون دافعًا للنهوض والعمل على بناء وعي نقدي مستنير يعزز الإستقلال الحقيقي ويواجه التبعية بأشكالها المختلفة.
لقد عاشت دولة السودان وقارة إفريقيا فصولًا طويلة من المعاناة تحت وطأة الإستعمار الأوروبي، الذي أعاد تشكيل خريطة القارة وفق مصالحه، فقسّمها إلى مناطق نفوذ، وأخضع شعوبها لسياسات القهر والإستغلال، بما في ذلك نهب الثروات وإرتكاب إنتهاكات مروعة، مثل الإبادة الجماعية وتجارة الرق والمخدرات والإفقار الممنهج؛ غير أن هذه المرحلة، على قسوتها، لم تُنهِ إرادة الشعوب الحرة، بل أسهمت في ولادة حركات تحرر وطني في عموم إفريقيا، وقد إتخذت أشكالًا متعددة من المقاومة، تراوحت بين الكفاح المسلح والنضال السلمي، مع إختلاف كبير في المنطلقات الأيديولوجية التي لم تؤثر كثيرًا في جوهر مفهوم الثورة كأداة للتغيير والتحرر رغم تعثر مشروع بناء الدولة الجديدة، وبرزت في هذا السياق نماذج ملهمة جسدت روح التحدي ومعاني النضال التحرري، مثل ثورة الملكة نزينجا في أنغولا، والثورة المهدية في السودان، وثورات التحرر في الكونغو والجزائر وجنوب إفريقيا، وغيرها من التجارب التاريخية التي أثبتت أن الشعوب قادرة على إستعادة حقوقها مهما طال الزمن أو تكاثر البؤس، وهذه الثورات لا تمثل مجرد أحداث تاريخية، بل تشكل رصيدًا معنويًا وفكريًا يمكن الإستفادة منه في مواجهة تحديات الحاضر، خاصة في ظل إستمرار أشكال جديدة من الهيمنة التي تتطلب وعيًا جماعيًا وإستراتيجيات متجددة تعزز السيادة الوطنية وتدعم مسارات التنمية الإقتصادية والإجتماعية المستقلة.
في ظل هذا الإرث التاريخي، تحولت كثير من الدول التي نالت إستقلالها إلى بؤر للفساد والدكتاتورية، مما أفرز نماذج جديدة من حركات التحرر الوطني، مثل الحركة الشعبية في السودان، التي قدمت رؤية لبناء دولة قائمة على المواطنة المتساوية والوحدة على أساس التنوع والتنمية العادلة بين الريف والمدينة، وإعادة تعريف نمط الحكم طبقًا لما يصلح العلاقة بين المركز والهامش، وأيضًا لدينا نموذج من كفاح الجبهة الشعبية في دولة إريتريا، وفي هذا الإطار، برزت قضية العدالة للأفارقة بوصفها واحدة من أهم القضايا التي تشغل الكتّاب السياسيين والإعلاميين في العالم المعاصر، حيث يسعى الإتحاد الإفريقي إلى معالجة آثار الماضي من خلال مبادرات متعددة، من بينها إعتماد شعار «عقد العدالة للأفارقة والمنحدرين من أصل إفريقي عبر التعويضات» حتى عام 2035م، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا بضرورة إنصاف أولئك المتضررين من ظلمات تجارة الرق والإستعمار، مع العمل على إستعادة الكرامة الإنسانية التي أُهدرت عبر التاريخ، وكذلك إعادة بناء الثقة بالذات؛ غير أن تحقيق العدالة والمساواة لا ينبغي أن يقتصر على المطالبات بالتعويض، بل يجب أن يمتد ليشمل رسم مستقبل قائم على أسس الوحدة السودانوية والإفريقية في آن وحد، وتعزيز التعاون والتكامل السياسي والإقتصادي والأمني بين دول القارة؛ كما يتطلب ذلك مواجهة التحديات المزمنة، مثل الفقر والمجاعة والأوبئة، ومحاربة الفساد، وتحسين أنظمة الحكم، وتحصين سيادة الدول، وتوسيع فرص التنمية العادلة في الريف والحضر، وأيضًا يقتضي الأمر الإستثمار في التعليم والبحث العلمي والفنون والآثار التاريخية، وفتح مراكز الإستنارة لنشر الثقافة والمعرفة وتعزيز الحوار الديمقراطي، باعتبارها أدوات أساسية لصياغة وعي جديد قادر على قيادة نهضة شاملة في كل ربوع المنطقة، فالعدالة الحقيقية للأفارقة تكمن في الجمع بين إنصاف الماضي، وبناء الحاضر، وإستشراف فجر المستقبل برؤية تنموية مستقلة وطموحة.