الأعمدةشيئ للوطن

الجغرافيا… والـ “سوبرنوفا” الذي أشعل شرارة الاكتشاف!

شيء للوطن
م.صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com

في كل عام، يمر علينا اليوم العالمي لنظم المعلومات الجغرافية (GIS)، وهو مناسبة تحتفي ليس فقط بالتقنية التي تُشكّل خارطة طريق لمستقبلنا، بل تحتفي أيضاً بالعقول التي جعلتنا نُدرك أهمية “المكان” ودوره المحوري في حياتنا. بالنسبة لجيل كامل في مدرسة الأبيض الثانوية، لم تكن الجغرافيا مجرد مادة دراسية؛ لقد كانت مغامرة بفضل رجل واحد أطلقنا عليه لقب “سوبرنوفا”: الأستاذ بشير قمر، يرحمه الله.
لا يمكن الحديث عن الجغرافيا أو عن أي شغف يتعلق بفهم العالم دون التوقف عند بصمة المعلم. كان الأستاذ بشير قمر، وتفانيه وعمق معرفته، أكثر من مجرد شارح للخرائط؛ كان ناسجاً للرؤى. لقد زرع فينا، نحن طلابه، بذرة الحب الحقيقي للجغرافيا، ليس كحفظ للمواقع والحدود، بل كفهم الديناميكيات المعقدة التي تشكل التفاعل بين الإنسان والبيئة.
لقد نجح “سوبرنوفا” في تحويل مادة قد يراها البعض جامدة إلى أرض خصبة للإثارة. وبدل أن يقدم لنا الوطن كخارطة صماء، جعلنا نرى فيه حكايات الشعوب، تنوع التضاريس، وجمالية التفاعل الحضاري. هذه الرؤية الشاملة لم تقتصر على حدود السودان، بل امتدت لتُشعل فينا رغبة جامحة في الاغتراب والهجرة لاكتشاف جغرافية العالم، رؤية عوالمه وتفاصيل بيئاته.
هنا يكمن الجسر الذي يربط بين إرث المعلم القدير وواقعنا التكنولوجي المعاصر: نظم المعلومات الجغرافية (GIS). إذا كان الأستاذ بشير قمر قد فتح أعيننا على قيمة الجغرافيا في عصر الأطلس الورقي والكرة الأرضية المُعلّقة، فإن نظم المعلومات الجغرافية هي التجسيد الرقمي والحي لهذه الرؤية في القرن الحادي والعشرين.
GIS ليست مجرد برنامج حاسوبي؛ إنها اللغة الجديدة لفهم “المكان”. هي الأداة التي تسمح لنا بتحليل العلاقة بين الظواهر (كمثال: العلاقة بين الكثافة السكانية وموارد المياه، أو بين التغيرات المناخية وأنماط الزراعة). إنها القدرة على دمج الخرائط، والإحصائيات، والصور الجوية في نموذج واحد تفاعلي. هذا هو بالضبط عمق الفهم الذي حاول الأستاذ بشير إيصاله إلينا، ولكن بأدوات تكنولوجية خارقة.
اليوم العالمي لنظم المعلومات الجغرافية هو تذكير بأن الجغرافيا لم تعد حكراً على الجغرافيين. لقد أصبحت أداة ضرورية لكل مهندس، مخطط حضري، طبيب، خبير بيئي، ورجل أعمال. فكل قرار نتخذه تقريباً في هذا العالم له “مُكوّن مكاني” يمكن لنظم GIS أن تحسنه.
إرث معلمنا “سوبرنوفا” يكمن في مسألتين: الأولى هي غرس الشغف بالاكتشاف والبحث عن المعرفة خارج حدود المألوف. والثانية هي الإيمان بأن فهم جغرافية الوطن والعالم هو مفتاح للتنمية المستدامة والتعايش السلمي.
لذا، يجب علينا أن نرى في اليوم العالمي لـ GIS فرصة لتكريم أولئك الذين أشعلوا فينا شرارة الجغرافيا، وأن نستغل هذه التقنية الهائلة لاكتشاف العالم ليس فقط كما هو، بل كما يمكن أن يكون.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى