الأعمدةشيئ للوطن

الخرطوم… إعلام التعافي في مواجهة التحدي 

شئ للوطن

م.صلاح غريبة – مصر

Ghariba2013@gmail.com

يُعد الإعلام شريكًا أساسيًا في كل مراحل البناء والتعافي، وتتأكد هذه الأهمية بشكل خاص في سياق الأزمات وما يليها من جهود لإعادة الحياة إلى طبيعتها. وفي قلب هذا المشهد، تبرز ولاية الخرطوم، التي تسعى اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إليها جاهدة لإعادة مواطنيها، معولة بشكل كبير على الدور المحوري للإعلام في عكس صورة التعافي المستمر. إن القرار بالاعتماد على الإعلام لـ”عكس أوجه التعافي” هو قرار حكيم ومدرك لأهمية التأثير المعنوي إلى جانب الإنجاز المادي.

لقد أظهر تقرير أداء اللجنة الإعلامية، الذي عُرض أمام اللجنة العليا برئاسة الفريق مهندس إبراهيم جابر إبراهيم، أن العمل جارٍ على قدم وساق. التغطية الإعلامية لا تقتصر على سرد الجهود، بل تركز على الأعمال المنجزة في قطاعات حيوية مثل الصحة، الكهرباء، المياه، والطرق، بالإضافة إلى عودة الأنشطة الاقتصادية والأكاديمية كـالأسواق والمصانع والبنوك والجامعات. هذا التفصيل في العرض يهدف إلى تبديد المخاوف العملية للمواطن العائد: هل سيجد مستشفى؟ هل سيعمل المصنع الذي كان يعمل فيه؟ هل سيجد ابنائه مقعداً في الجامعة؟

الأهم من ذلك هو تسليط الضوء على أنشطة ضبط الأمن وفرض هيبة الدولة، بما في ذلك عودة مراكز خدمات الجمهور وإزالة السكن العشوائي. هذا الجانب يبعث رسالة طمأنة بالغة الأهمية حول الأمان والاستقرار، وهما الركيزتان الأساسيتان للعودة الطوعية والمستدامة.

لعل التحدي الأكبر الذي يواجه جهود العودة ليس فقط حجم الدمار المادي، بل أيضاً الدمار النفسي والتشكيك الذي يروجه “الإعلام المضاد”. التقرير أشار إلى مؤشرات إيجابية للرأي العام المحلي، لكن المهمة تتطلب أكثر من ذلك. الإعلام الوطني مدعو ليكون جدار الصدّ الأول ضد الشائعات ومحاولات تثبيط العزائم. يجب أن يتحول من مجرد نقل الأخبار إلى صناعة الأمل وتقديم دليل ملموس وموثق على أن الحياة تعود.

إن تقدير اللجنة العليا للجهود الإعلامية والصحفيين والناشطين الذين “أبدوا روحًا وطنية” يعكس إدراكاً بأن المعركة هي معركة وعي وثقة. يجب أن يكون التعاطي الإعلامي شفافاً ووطنياً ومحفزاً، بعيداً عن التضخيم غير الواقعي أو التجاهل للمصاعب المتبقية، بل يجب أن يوثق التحديات والحلول معاً.

التوجيهات الصادرة عن الاجتماع بـضرورة توثيق حجم الدمار والتعمير هي نقطة مفصلية. هذا التوثيق ليس مجرد سجل للأحداث، بل هو مرجعية تاريخية لثمن الأزمة، ودليل إنجاز لجهود التعافي. إن مقارنة صورة الأمس بصورة اليوم هي أقوى أداة لإقناع المواطنين في الولايات وخارج السودان بجدية عملية العودة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن استصحاب الشخصيات المؤثرة لتأكيد التعافي يمثل استراتيجية إعلامية ذكية. الشخصيات الموثوقة – سواء كانت فنية، أكاديمية، أو اجتماعية – تضفي مصداقية إضافية وتساعد على تجاوز حاجز التشكيك الذي قد يفرضه الخطاب الرسمي وحده. على الإعلام أن يركز على قصص النجاح الفردية والمجتمعية للذين عادوا وبدأوا حياتهم مجدداً، فهذه هي القصص التي تلمس قلوب الآخرين وتدفعهم للعودة.

إن الخرطوم اليوم تحتاج إلى إعلام بنائي لا يكتفي بالرصد، بل يسهم في التعبئة الوطنية. الأمر يتطلب تخطيطاً إعلامياً محترفاً يركز على الفئة المستهدفة، ويستخدم جميع المنصات المتاحة – سواء التقليدية أو الرقمية – للوصول إلى كل سوداني. يجب أن يكون الهدف النهائي هو تحويل الحرص الوطني الذي أبدته المؤسسات الإعلامية إلى دافع عملي يزيل العقبات النفسية واللوجستية أمام عودة المواطن إلى بيته.

إن النجاح في إيصال رسالة “تعافي الخرطوم” ليس مجرد انتصار إعلامي، بل هو خطوة أساسية في المسيرة الوطنية نحو استعادة عافية البلاد بالكامل.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى