الأعمدة

السفير محجوب محمد عثمان :  هوامش على جدار الذاكرة :  من هو بيكا هافستو ؟   

السفير محجوب محمد عثمان :

هوامش على جدار الذاكرة :

من هو بيكا هافستو ؟

الأمين العام للأمم المتحدة انتونى جوتيرش ، يكلف الدبلوماسي والسياسي بيكا هافستو ليكون مبعوث الأمين العام للسودان .

بيكا هافستو فنلندى الجنسية ، يقترب من السبعين ، يتمتع بخبرة كبيرة فى مجال النزاعات الإقليمية والصراعات الداخلية .

تولى مناصب كبيرة وهامة فى بلاده وحكومات الاتحاد الأوروبي ومنظمات الأمم المتحدة ومكتب الامين العام .

 

التقيت به ثلاثة مرات وحينها كنت سفير السودان لفلندا .

 

الأولى كانت فى نهاية سبتمبر ٢٠١٤ ، ويومها كان وزيرا للتنمية الدولية بالحكومة الفلندية ، وتحدد لقائى معه منتصف النهار بمكتبه لمناقشة مسار العلاقات السودانية الفنلندية وامكانية استئناف وتطوير التعاون والدعم الفنلندى للسودان فى مجال الغابات والتوسع فى أستزراع أشجار الهشاب وزيادة امتدادات حزام الصمغ العربى ، وما يتطلب ذلك من عون فنى ودعم لوجستى وهو البرنامج الذى بدأته المنظمة الفنلندية للتنمية فى السودان منتصف الثمانينات . حقق البرنامج نتائج كبيرة ، وتوقف اوائل التسعينات .

 

والمعلوم ان عدد كبير من علماء وخبراء الغابات السودانيين كانوا قد نالوا دراساتهم العليا والمتقدمة ، أو تدريباتهم الدورية ، بالجامعات والمعاهد المتخصصة الفنلندية ، وفى مقدمتها جامعة هلسنكى التى يرجع تأسيسها للعام ١٦٤٠م وتعتبر من أقدم الجامعات فى أوروبا .

 

ولوجود أكبر معهد اوروبى بالعاصمة هلسنكى لتدريب خبرات وفنيى الأرصاد الجوى ، (المعهد الفلندى للأرصاد الجوى FMI ) , ناقشت أيضا مع الوزير زيادة كوتة كوادرنا الفنية المختصة والتى تأتى بصورة راتبة وتتدرب دوريا فى ذلك المعهد على تقنيات الارصاد الجوى وتغيير المناخ .

 

تطرق اللقاء مع السيد هافستو للسنوات ، من ٢٠٠٥ إلى ٢٠٠٧ والتى قضاها مبعوثا للاتحاد الأوروبي إلى دارفور ، مكلفا بملف مفاوضات السلام ، وقال لى ان هناك عوامل كثيرة ، لم يسمها ، جعلت مهمته فى مجملها صعبة وأحيانا غير ميسرة .

 

التقيت به مرة ثانية فى يناير ٢٠١٨ وكان حينها نائبا برلمانيا ورئيسا لحزب الخضر . كان اللقاء بمناسبة افتتاح الدورة الجديدة للبرلمان الفلندى ، ودعانا للغداء ، نحن عدد من السفراء الأفارقة ، ودار الحديث عن تجاربه وعلاقاته الممتدة مع القيادات الافريقية ، وأسهب فى الحديث عن المشاكل التى أورثها المستعمر لبعض الدول الأفريقية وكانت سببا لتقاطعات محلية وحروب عابرة للحدود .

 

وكان اللقاء الثالث اثناء مؤتمر المياه فى يوليو ٢٠١٨ بالعاصمة السويدية استوكهولم ويحضره بصورة راتبة ، سنويا ، أكثر من ٢٠٠ وزير للمياه وكهرباء السدود ، من جميع دول العالم ، كما يأتيه ، من ارجاء المعمورة ، الباحثون والخبراء فى علوم المياه . وكان من نجوم المؤتمر والمواظبين على حضوره ومعه وفد سودانى فنى متخصص ، الوزير معتز موسى ، وزير المياه والكهرباء السودانى ، وكان يشارك فى الفعاليات ويقدم محاضرة قيمة كل عام ، بلغته الانجليزيه الرصينه ، فى القاعة الرابعة من قاعات المؤتمر الثمانية ، وهى القاعة التى تسع العشرة ألف مستمع جلوسا .

 

وخلال فعالية ساخنة عن السدود فى أفريقيا وبالتركيز على سد النهضة ، التقيت بالسيد بيكو هافستو ، وكان حضورا للمؤتمر ودعوته للغداء بالمطعم الشامى فى قلب استوكهولم ، ردا على دعوته لنا فى هلسنكى ، وكان معى الصديقين سعادة السفير الشيخ حمد بن محمد أل خليفه سفير قطر فى السويد ، والذى عرفه هافستو حين كان الشيخ حمد سفيرا لقطر فى العراق وسعادة السفيرة أمينه بن عياش سفيرة المملكة المغربية ومعرفتها له ، تمتد لأيام توليها موقع نائبة الأمين العام للمجلس العالمى لحقوق الإنسان .

وفى نقاشاتنا على المائدة تطرقنا لسياسات الاتحاد الأوروبي وعدم اهتمامه بقضايا الدول النامية وتلك التى تحت النمو . وطوف بنا هافستو ببعض تجاربه متحدثا عن بؤر النزاعات الملتهبة حول العالم وكيف ان بعضها تفاقم وتجزر بسبب الصراعات حول الموارد والهوية.

 

بعد ذلك بأقل من عام تولى هافستو وزارة الخارجية الفنلندية ، من ٢٠١٩م إلى ٢٠٢٣م .

 

بيكا هافستو متخصص فى الوساطة ، تدوير الحلول وإدارة الأزمات وله خبرة كبيرة بالتقاطعات السياسية فى كثير من البلاد الغير مستقرة ، خاصة الشرق الأوسط ودول القرن الأفريقى .

خبرته امتدت لأكثر من اربعة عقود .

تم تكليفه بملفات ذات طبيعة معقدة ، وقضايا دولية ساخنة .

عمل فى كسوفو ، والعراق وافغانستان وليبيريا وغيرها .

وعمل ببرنامج الأمم المتحدة للتنمية فى مناطق النزاعات المختلفة .

 

كان نجاحه دائما يعتمد على مدى استعداد الأطراف المتصارعة لتقديم تنازلات حقيقية ، كما ظل يعتمد على السند الذى سيجده من القوى الدولية والمحيط الأقليمى الفاعل .

 

حتما سيواجه تحديات كبيرة وهو يقترب من الملف السودانى . تقاطعاته ، ارتداداته ، تاريخه المأزوم بالصراعات وجغرافيته المسحورة بحلم الموارد ، ونخبه السياسية التى طال بها المسير وانهكتها الصراعات وخفتت من حولها الاضواء .

 

وبخبرته يمكن للرجل أن ينجح فى تخفيف التصعيد . ولكنه حتما سيواجه فى الداخل لاعبين يجيدون كل المراكز ، وفى الخارج يظل الكرت الأحمر مرفوعا ، والأمل يراوح مكانه .

مجيئه وهو يمثل الأمم المتحدة التى يحركها الكبار ، سيكون عامل ضعفه .

الأمم المتحدة هى نقطة ارتكاز الكبار . مركبتهم التى يقطعون بها المسافات ويصعدون بها المرتفعات .

لم يعرف الناس للأمم المتحدة يدا عليا ، تظهر المؤمل من صولاتها ، ولا صيحة ترتج لها فى كل المؤجلات من جولاتها .

لقد جاءوا به ليكون حائط صد أمام اى ضربات ضد الرباعية .

ولكن السؤال يبقى قائما . هل ينجح هافستو فيما استعصى على العمامره ؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى