
السودان بلا كوليرا
روشتة في بريد الاسرة
اخصائي الصحة/ اسماء قسم الله
انتصار الإرادة في معركة “البقاء والوعي”
ليس مجرد إعلان صحي عابر، بل صرخة استعادة عافية في وجه الظروف المعقدة. إن عبارة “السودان بلا كوليرا” تحمل في طياتها قصصاً من الصمود وتحدي المستحيل لكن هذا الإعلان يضعنا اليوم أمام “مسؤولية الصفر”؛فالحفاظ على خلو البلاد من الوباء أصعب من الوصول إليه” خارطة الطريق لما بعد الوباء”
ملحمة الجيش الأبيض والمجتمع
خلف هذا الإنجاز “جيش أبيض” واجه الوباء في أقسى الظروف، و متطوعين من القرى والمدن. “النفير” السوداني الذي تحول من ممارسة اجتماعية إلى منظومة دفاع صحي أنقذت الآلاف من براثن “الموت الصامت” التقصي والترصد المرضي كصمام أمان للوصول إلى “صفر حالات” هو نجاح لآليات التقصي والاستجابة. لكن التحدي الوبائي القادم يكمن في “التحسّب الاستباقي”؛ أي القدرة على اكتشاف أول حالة مشتبه بها قبل أن تتحول إلى موجة. “واقع الحذر” يفرض علينا ألا نغلق ملفات الرصد، بل نطورها لتصبح رادارات بشرية وتقنية لا تنام، فمعركة المياه الصالحة تجعل من “السودان بلا كوليرا” حلم إذا لم تحسم معركة إصحاح البيئة. إن تلوث مصادر المياه هو “المستودع التاريخي” للبكتيريا لذا التحسب الحقيقي يتطلب ثورة في مرافق المياه والصرف الصحي، لضمان أن تظل بيئتنا طاردة للأوبئة وليست حاضنة لها.
من “إدارة الأزمة” إلى “ثقافة الوقاية” أكبر مكسب من هذه المحنة هو “الوعي”. لقد تعلم المواطن أن غسل اليدين وسلامة الغذاء هما “لقاحات مجانية” فضرورة تجذير هذه السلوكيات؛ فالحذر لا يعني الخوف،وانما يعني استمرار الانضباط الصحي كجزء من الممارسات اليومية، ثم ياتي دور التكامل بين المركز والولايات
أثبتت أزمة الكوليرا أن النجاح رهين بالتنسيق. “السودان بلا كوليرا” هو ثمرة تعاون بين وزارة الصحة، والمنظمات الدولية، والجهات المحلية فان استمرارية هذا التكامل هي الضمان الوحيد لسد الثغرات التي قد ينفذ منها الوباء مرة أخرى في أي ولاية حدودية أو نائية، وتعتبر حماية الإنتاج عبر الصحة هدف استراتيجي فالوباء استنزاف الموارد وادي الي تعطيل القوى العاملة، إعلان الخلو من الكوليرا هو “قبلة حياة” للسوق والإنتاج الزراعي وحركة التجارة والاستثمار اليوم في أدوات الوقاية والتعقيم هو استثمار اقتصادي بامتياز، يوفر على خزينة الدولة الملايين التي كانت ستُنفق في مراكز العزل والعلاجات. هذه التجربة يجب أن تدرس لتكون حجر الزاوية في بناء نظام صحي مرن إن هدفنا ليست “الهروب من الكوليرا”، بل الوصول إلى دولة تمتلك السيادة الصحية والقدرة على مواجهة أي مهدد بيولوجي مستقبلي بكل ثبات.
إن إعلان “السودان بلا كوليرا” هو “فرحة إنجاز” مستحقة، لكنها يجب أن تكون وقوداً لـ “واقع حذر” لا يتراخى. نحن اليوم لا نحتفل بنهاية المعركة، بل نحتفل بامتلاكنا للأدوات التي تمنع تكرارها فالحفاظ على السودان خالياً من الوباء هو “عهد” يقطعه للجميع، من المسؤولين في مكاتبهم إلى المواطن في بيته.
وكل عام وبلادي بخير