مقالات

الشهيد الطبيب جمال حسن محمد سعيد أول طبيب شهيد في الاستوائية… سيرة عطاء ووفاء

دكتور ياسر احمد ابراهيم

 

في ذاكرة الوطن رجالٌ مرّوا مرور الكرام في حياتهم، لكنهم تركوا أثراً لا يُمحى بعد رحيلهم. ومن أولئك القامات السامقة الشهيد الطبيب جمال حسن محمد سعيد، ابن جزيرة مقرات غرب أبو حمد، الذي كتب اسمه بمدادٍ من تضحية في سجل الشرف الطبي والوطني.
تخرج الشهيد من جامعة الخرطوم عام 1988، تلك الجامعة التي كانت وما زالت مصنعاً للنخب والعقول الراجحة. أكمل فترة الامتياز في مستشفى الخرطوم حتى عام 1989، حيث عرفه زملاؤه طبيباً هادئاً، دمث الأخلاق، متفانياً في أداء واجبه، يسبق الآخرين إلى المناوبة ويغادر بعد أن يطمئن على مرضاه.
لكن روح جمال لم تكن تقف عند حدود الوظيفة. في مارس 1990، تطوّع للعمل مع الجيش في متحركات الاستوائية، مؤمناً بأن الطبيب لا يُقاس مكانه بجدران المستشفى، بل حيث تكون الحاجة أشدّ والأنين أعلى. التحق بمتحرك “ياي” برفقة أخيه الدكتور أسامة علي توفيق، وكانا يعملان معاً في مستشفى الصباح بمدينة جوبا.
وفي يوليو 1990، انضم إلى متحرك “ياي – مريدي” لإيصال الإمداد إلى القوات المحاصرة في ياي. كانت المهمة محفوفة بالمخاطر، لكن الشهيد لم يتردد. كان يدرك أن بين الجنود جرحى ينتظرون يد طبيب، وأن حياةً قد تتوقف على لحظة إسعاف.
وقبل وصول المتحرك إلى مريدي، وفي منطقة رأس أولو، ارتقى شهيداً في يوليو 1990، مضرجاً بدمه الطاهر، ليكون أول طبيب يستشهد متطوعاً في ذلك العام، قبل تكوين الدفاع الشعبي، وهو لا يزال يؤدي رسالته الإنسانية في ميادين القتال.
لم يكن يحمل بندقية، بل سماعة طبيب. لم يكن همه المواجهة، بل إنقاذ الأرواح. لكنه اختار أن يكون في الصفوف الأمامية، حيث الخطر أكبر، والواجب أعظم.
إن سيرة الشهيد جمال حسن محمد سعيد ليست مجرد قصة استشهاد، بل هي درس في معنى المسؤولية والانتماء. شابٌ في مقتبل العمر، تخرج حديثاً، كان يمكنه أن يبحث عن مستقبل هادئ في المدن، لكنه آثر طريق التضحية، ليؤكد أن الطب رسالة قبل أن يكون مهنة.

اليوم، وبعد سنوات طويلة، تبقى ذكراه حيّة في قلوب أهله وأصدقائه وزملائه، وفي وجدان كل من يعرف قيمة العطاء الصامت. هو ابن جزيرة مقرات غرب أبو حمد، لكنه أيضاً ابن السودان كله.

رحم الله الشهيد الطبيب جمال حسن محمد سعيد، وجعل قبره روضةً من رياض الجنة، وتقبله في عليين مع الصديقين والشهداء، وألهم أهله ورفاقه الصبر والسلوان.

🕊️ سلامٌ على روحه الطاهرة… يوم وُلد، ويوم لبّى نداء الواجب، ويوم ارتقى شهيداً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى