الأعمدة

*المبعوث الأممي “هافيستو” : بين المثلية والمثالية*  عمار العركي

*المبعوث الأممي “هافيستو” : بين المثلية والمثالية*

عمار العركي

▪️ في السياسة والعلاقات الدولية لا يُبنى التعامل بين الدول على السلوك الشخصي أو الهوية الخاصة للأفراد، مهما كانت مثار جدل أو اختلاف. ميزان المصالح هو الحاكم، لا القناعات الفردية. والتاريخ الحديث يقدم شواهد واضحة؛ ففضيحة رجل الأعمال الأمريكي جيفري إبستين، التي عُدّت من أكبر الفضائح الأخلاقية والسياسية في العصر الحديث، لم تمنع استمرار تفاعل العالم مع شخصيات نافذة ومؤثرة ارتبط اسمها بالقضية بدرجات متفاوتة، وظلت العلاقات الدولية تمضي وفق منطق المصالح لا منطق السمعة الشخصية.

▪️ من هذا المنطلق تُقرأ حالة الجدل الدائر حول تعيين الفنلندي “بيكا هافيستو” مبعوثًا شخصيًا للأمم المتحدة إلى السودان، خلفًا للجزائري “رمطان العمامرة”. فالتركيز على هوية المبعوث أو خلفيته الشخصية قد يثير جدلًا اجتماعيًا محليًا، لكنه لا يؤثر في ميزان السياسة الدولية، وليس عاملًا حاسمًا في نجاح المهمة أو فشلها.

▪️ سيرة الرجل المهنية وصلته بالملف السوداني تشير إلى أنه في 17 أغسطس 2019 كان حاضرًا في الخرطوم ممثلًا للاتحاد الأوروبي خلال التوقيع على “الوثيقة الدستورية الانتقالية”، واعتبرها “فرصة تاريخية لإرساء السلام وإنهاء مرحلة الحكم السابق”، داعيًا إلى وحدة الصف والحفاظ على مكاسب الانتقال. وقبل ذلك، في يونيو 2017، أشار في تصريحات إعلامية فنلندية إلى أن “الوضع في السودان متوتر، وأن الصراع على السلطة وتعقيدات العلاقة بين المدنيين والعسكريين تمثل تحديًا أساسيًا”. كما دعا في 13 مارس 2010، أثناء عمله مبعوثًا خاصًا لوزارة الخارجية الفنلندية، إلى “انتخابات سلمية واحترام اتفاق السلام الشامل”.

▪️ هذه المعطيات تشير إلى معرفة سابقة بالأزمة السودانية، وتراكم خبرة في التعامل مع توازناتها. لكن في المقابل، تبقى المخاوف قائمة من وساطة أممية قد تعبر عن أولويات دولية لا تنسجم مع تعقيدات الواقع المحلي.

*خلاصـة القـول ومنتهاه:*

▪️يبقى جوهر المسألة أن تأثير أي مبعوث لا يُقاس بهويته الثقافية أوخلفيته الشخصية، سواء كان أوروبيًا كـ”هافيستو” أو أفريقيًا عربيًا كـ”العمامرة”، بل بمدى صلابة الموقف السوداني، فإذا ما توفرت إرادة وطنية موحدة ورؤية سياسية متماسكة وتحالفات إقليمية فاعلة ، ليس أمام الوساطات الدولية الا الدعم والإسناد.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى