
تأملات
جمال عنقرة
قال لي أحد الأصدقاء المصريين انني أتحدث عن مصاعب السودانيين في مصر، ولا أتحدث عن مصاعب المصريين في السودان، فقلت له هذا الكلام ليس صحيحا علي اطلاقه، فيمكن أن تقول اني أتحدث عن مصاعب السودانيين في مصر، اكثر من حديثي عن مصاعب المصريين في السودان، وهذا له أسبابه الموضوعية، وقبل الحديث عن الأسباب الموضوعية، فمعلوم أن أم التوأم ترضع الذي يبكي، اكثر من الذي لا يبكي، وقد تكون حاجة التوأم الصامت للرضاعة اكثر من حاجة التوأم شديد البكاء، ولم يسمع الناس شكاوي للمصريين من مصاعب يواجهونها في التعامل مع السودان، وما لا يعلمه كثيرون أن حصول مصري علي تأشيرة دخول للسودان أصعب عشرة أضعاف منها لدي السودانيين القاصدين مصر، فعلي الاقل السوداني لا يحتاج إلى دعوة للحصول علي تأشيرة دخول إلى مصر، علي عكس المصريين القاصدين السودان، ولا أظن أن كثيرين قد سمعوا بمعاناة سائقي الشاحنات المصرية الذين ينقلون بضائع مهمة للسودان، وهؤلاء معاناتهم مركبة، وعلمت أن اكثر من عشرة منهم توفاهم الله في المعبر، نتجة تفاقم أمراض مزمنة، ولم يجدوا لها علاجا.
اما اهم الأسباب الموضوعية لكثرة حديثي عن مصاعب السودانيين في مصر، وقلته عن مصاعب المصريين في السودان، أن اعداد السودانيين في مصر أضعاف أضعاف اعداد المصريين في السودان، وأن ما يعانيه السودانيون في مصر لا يكاد يذكر في مقابل المزايا العظيمة التي يجدونها في مصر، جيث يعيش الملايين منهم اعزاء مكرمين، شأنهم شان المصريين تماما، بل تسمح لهم السلطات المصرية بتجاوزات لا تسمح بأقل منها للمواطنين المصريين، لذلك نتحدث عن هذه الأشياء الصغيرة حتى لا تفسد المكتسبات العظيمة، لا سيما وأن كثيرين يتعاملون بانطباعية وحساسية زائدة، وتجسد ذلك الطرفة التي تحكي عن سوداني كان يقول (مصر والسودان حتة واحدة) ولما تعرض للنشل قال (مصر والسودان ستين حتة)
والأهم من هذا كله، نحن نتطلع إلى موسم يأتي قريبا بإذن الله تعالي (موسم الهجرة الى الجنوب) موسم إعادة بناء واعمارهم السودان، وهذا لا يتم ولا يكتمل الا بسواعد السودانيين واشقائهم المصريين، وبافضل من السماحة التي استقبل بها المصريون الملايين من اشقائهم السودانيين. يجب أن نهيئ شعبنا في السودان لرد التحية بأفضل منها، ليس من باب الوفاء والإخاء وحده، ولكن أيضا لان في ذلك مصالح ومنافع عظيمة للبلدين والشعبين الشقيقين معا علي حد سواء.