
الهادي آدم وأم كلثوم ••
معابر بدون تأشيرة
على إمتداد تاريخ الشعر والغناء في السودان تجد معظم رموزه الأوائل قد إرتبطت مسيرتهم الفنية بالقاهرة فلا تكاد تذكر سيرة ومسيرة شاعر أو فنان سوداني إلا وتجد في سطورها أنه سافر إلى القاهرة في العام كذا أو سجل أول أسطواناته في القاهرة في العام كذا وهكذا منذ حقبة أغاني الحقيبة وروادها الأماجد .
هذا يدل على الإرتباط الوجداني لشعبي وادي النيل وتكامل الإحساس بين شطري وادي النيل ولكأنما بيت الشعر يُكتب شطره في السودان وعجزه في مصر ْ فمصدر الإلهام واحد هو ماء النيل وخضرة ضفتيه وحسان ساكنيه .
الأمسية التي نظمتها القنصلية المصرية ببورتسودان والتي لم تسمح ظروف سفري حضورها زينت مساء النادي العالمي بورتسودان بهذا العبق وهي تحيي ذكرى كوكب الشرق أم كلثوم والشاعر الفذ الهادي آدم وذكرى ٥٥ عامًا على أغنية (أغدا ألقاك) لينثر رواد تلك الليلة درر الكلام في هذا الفن العتيق . وذكر عتيق يجرنا إلى شاعرنا المجيد محمد بشير عتيق الذي أقتاده ذات يوم الأستاذ الإذاعي الراحل فؤاد عمر ليدلف به إلى حيث يجلس الشاعر الفخيم أحمد رامي ليعرفه به فإذا برامي يعرف عتيق من كلماته فقال رادًا على سؤال فؤاد حين سأله هل تعرف هذا الرجل ؟ فقال رامي ( شاعر مجيد لغناك فنان وماهر .. هل تدري يا نعسان أنا حالي ظاهر) وأضاف عليها يااااا سلام (إنتو بتجيبو الكلام ده من فين يا عتيق؟) سؤال بالطبع ليس إستفاهميًا بقدر ما هو إعجاب بالشعر السوداني المدهش .
هذه القصة وغيرها من الحكايا والقصص سمعتها في الحوارات ( الأربعة) ولا أدري ما هو سر الأربعة بين مصر والسودان فهو عدد الحريات المتفق عليها (أعادها الله) بين البلدين وتكرر عدد الأربعة على طول أنشودة مصر المؤمّنة للشيخ البرعي ُ ولا أود الخوض في الرباعية السياسية في هذا المقام وكفى .
نعود للحلقات الأربعة التي أجرتها الدكتورة نفيسة شرقاوي أم أحمد مع الإعلامي المصري الراحل فؤاد عمر والتي تحدث فيها حديث العارفين بعمق عن الأغنية السودانية والشعراء والمطربين السودانيين فقد وثّق فؤاد عمر لهذا الإرث من خلال برامجه الإذاعية (حبابكم عشرة) و (زيارة إلى السودان) وقد منحته رئاسة الجمهورية الدكتوراة الفخرية من جامعة السودان في العام ٢٠٠٢م قبل وفاته بعام إعترافًا بدوره في تقوية أواصر المحبة بين مصر السودان فكانت حلقاته مع نفيسة شرقاوي (أم أحمد) بحق من أجمل الحوارات التي أجرتها عبر برنامجها الإذاعي (لحظة من فضلك) بإذاعة ولاية البحرالأحمر من بورتسودان والذي إستضافت أيضًا في إحدى حلقاته عريس الليلة آنفة الذكر الشاعر الهادي آدم . فالتحية وأمنيات الصحة والعافية نبعثها للدكتورة نفيسة شرقاوي لتصلها في مقر إقامتها الحالية بالقاهرة .
نصل حد الطرب عندما يصدح عندليب السودان الأسمر زيدان إبراهيم بأغنية (الوداع ) رائعة العبقري عباس محمود العقاد ( داوي ناري وألتياعي وتمهل في وداعي يا حبيب الروح هب لي بضع لحظات سرااااع ) فزيدان إبراهيم ذاته المولود في أمدرمان له صلة جذور بجمهورية مصر العربية فجده زيدان علي من عائلة زيدان الشهيرة بمنطقة الزقازيق كما تقول سيرته فإنحاز لهذا الإنتماء مرة أخرى في اغنية الشاعر والأديب المصري إبراهيم ناجي (بعد عام) (كاد يمضي العام يا حلو التثني أو تولى .. ما أقتربنا منك إلا بالتمني ليس إلا ) ويح قلبي .. ويتصل هذا الشريان ليحمل لنا دفق الشاعر عبدالمنعم عبدالحي ورائعات صالح الضي وإدهاش السر قدور وحنين إسماعيل حسن وآهات عوض حسن أبو العلا وتاج السر الحسن والكابلي (مصر يا أخت بلادي يا شقيقة) وغيرهم ممن إرتبطت حياتهم بمصر الشقيقة
وليتدفق النيل من الشمال إلى الجنوب هذه المرة يحمل عشق الشاعر المصري إبراهيم رجب لمقرن النيلين ( يا الخرطوم يا العندي جمالك جنة رضوان ) ويزيدها ألقًا سفيرنا سيد خليفة موحدًا للوجدان في هوى الأوطان مصر والسودان .
التحية والتقدير لمعالي السفير هاني صلاح وسعادة القنصل أحمد يوسف و للدبلوماسية التي عرفت الطريق المختصر للوصول إلى أعلى معدلات الجودة في العمل الدبلوماسي ولكل من أسهم في إقامة تلك الليلة البهيّة ُ فالثقافة والفنون هي اللغة المحببة للشعوب .. وهي دعوة للتنقيب عن كنوز الماضي التليد ودعوة لتجديد التواصل الفني بين شعب وادي النيل شماله وجنوبه ودعوة لإيصال صوت إذاعة وادي النيل من القاهرة لكل ركن في السودان ولتكون البداية ببورتسودان وهي دعوة لإنتاج دراما مشتركة نحي فيها (رحلة عيون ) ذلك العمل السينمائي الذي جمع الفاضل سعيد وسمية الألفي ومحمود المليجي وصلاح إبن البادية .
يحكي نيلنا الثالث راوي (قصتنا) وصاحب ال (شجن) الفنان عثمان حسين يحكي عن أغنية أجمل أيامي ويقول : راسلني ( حسين ) هكذا يقولها عندما يتحدث الشخص عن توأمه راسلني حسين بازرعة وقال لي عندي ليك أغنية جديدة . فقلت له : ( أنا وجاد الله جبارة ماشين مصر . ح نجيك بورتسودان وتمشي معانا ). وفعلا جينا بورتسودان وكانت السحب تملأ سماء يناير في ذاك العام وبدأت تلحين أغنية (أجمل ايامي) ونحن بين طيات السحاب على جناح فوكر سودانير وأكتمل اللحن في أرض الكنانة . فكانت أغنية (أجمل أيامي) كحبلِ وصلٍ ربط بورتسودان بالقاهرة وجدانيا في ستينات القرن الماضي وتجدد ذات الوصل في أمسية النادي العالمي بورتسودان في فبراير ٢٦ بعد الألفين .
✍️ هيثم جنابي