
الوطن الثائر: بين دماء الشهداء وطموح الساسة د. الهادي عبدالله أبوضفائر
الوطن الثائر: بين دماء الشهداء وطموح الساسة
د. الهادي عبدالله أبوضفائر
(عندما مات الراعي قال الذئب للأغنام: أنتم وصية المرحوم). في هذا السياق، لا تبدو العبارة مجازاً بعيداً، بل توصيفاً موجعاً لجدلية السلطة والوصاية. فكلما غاب الراعي، نظاماً كان أو مرحلةً انتقالية أو حلماً ثورياً تقدّمت قوى تدّعي أنها الأجدر بحمل الوصية، لا باسم الشعب فحسب، بل باسمه كشعار، كدم، كذاكرة.
في تاريخنا الحديث، منذ الاستقلال، لم يكن الصراع بين شعبٍ ونظامٍ فقط، بل بين تصوّرات متنافسة عن معنى الوصاية. تعاقبت الأنظمة عسكرية ومدنية، وبرزت أحزاب رفعت راية الوطنية، لكن العلاقة بين الأحزاب والشعب كثيراً ما اتسمت بمنطق الوصاية لا الشراكة.
حين ينهض الشعب من ركام الخوف، وتضج الشوارع بنداء الكرامة، تظهر الأحزاب كحارس أمين لحلم جماعي لم يتشكل بعد، محاولةً الإمساك بمستقبل لم يُكتب، وتوجيهه نحو أفق الحرية والعدالة. تجلّى ذلك جليّاً في ثورة ديسمبر التي أطاحت بنظام الإنقاذ إذ خرج الناس يهتفون بثلاثيةٍ مكثّفة: حرية، سلام، وعدالة. لم تكن كلماتٍ عابرة، بل ميثاق وطنٍ يُولد، وفكرة دولةٍ تبحث عن معناها الأخلاقي قبل شكلها السياسي.
غير غير أن ما أعقب السقوط كشف هشاشة البنية الحزبية، فانتقل السؤال من مشروع بناء الدولة إلى صراعٍ على إرث الثورة، من يحمل شعلتها، من يمثلها؟ من يتحدث باسم الشهداء؟ ومن يوقّع باسم الشارع؟ وهكذا انزاحت البوصلة من جوهر التحول إلى تنازع الشرعية، بين من يريد تجسيد قيم الثورة، ومن يسعى إلى امتلاكها عنواناً ومكسباً. هنا تتراجع السؤال الكبير كيف نبني دولةً جديدة؟ إلى الخلف، وتقدّم سؤال الإرث والوصاية. كأن الثورة، أُعيدت إلى منطق الغنيمة، حيث يتنافس الساسة على تمثيلها بدلاً من تجسيد قيمها.
الثورة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون موقعاً سياسياً. ومن لا يحسن حمل هذا العبء، يحوّل الحلم إلى شعار، والدم إلى مادة خطاب، والوطن إلى ساحة تنافس. وفي هذا التحوّل يكمن مأزق اللحظة الانتقالية، حين تغدو الشرعية موضوع نزاعٍ لا أداة بناء، ويصبح الصوت الأعلى بديلاً عن الرؤية الأعمق. هنا يكمن الفارق بين من يسعى إلى بناء الدولة، ومن يسعى إلى امتلاك الثورة، وبين من يرى في الشهداء أمانةً ثقيلة، ومن يراهم عنواناً للمشروعية وسلم للكرسي.
وهكذا انقلبت الساحة من فضاءٍ جامع إلى منصّة اصطفاف؛ تفرّقت القوى المدنية، وتكاثرت التحالفات، وانشغل بعض الساسة بقسمة الغنائم قبل أن تُرسى أركان الدولة. في لحظة الغنيمة غاب الشعب فاعلاً، وحضر موضوعاً للمزايدة: يُستدعى اسمه في البيانات، وتُرفع صوره في الخطب، ثم يُقصى عن مائدة القرار.
المأساة أن الأحزاب، المفترض أن تكون جسراً بين المجتمع والدولة، أعادت تشييد الجدار ذاته. قيادةٌ تُدوّر الفشل، وشعبٌ يُدرَّب على الانتظار. كأنّ دروس التاريخ لم تُقرأ بعد، فالشعوب التي تُختزل في رقمٍ انتخابي، يسهل أن تُساق قطيعاً في مراعي السياس.
أزمة الأحزاب ليست في ضعف التنظيم أو قلة الموارد، بل في مأزق فلسفي: هل هي خادمة لإرادة الشعب أم وريثته؟ هل الشارع مصدر شرعية دائم، أم مجرد وقود عند الحاجة؟ حين تتحوّل الوطنية إلى شعار احتكاري، يصبح الاختلاف خيانة، والنقد طعناً، فيُستبدل النقاش العام بمنطق التخوين، وتُختزل السياسة إلى معركة بقاء لا مشروع بناء.
فالخروج من هذا النفق لا يكون بإدانة طرفٍ وتمجيد آخر، بل بإعادة تعريف العلاقة ذاتها. الشعب، الذي أثبت في محطات عديدة وعياً استثنائياً وقدرةً على التنظيم السلمي، ليس وصيةً لأحد. إنه صاحب الحق الأصيل، لا موضوع الإرث. والأحزاب التي لا تعيد تموضعها كأدوات تمكين للمجتمع لا أوصياء عليه ستظل تدور في حلقة الصراع على ظلّ الراعي الغائب.
لا نحتاج اليوم إلى ذئبٍ بارع، بل إلى عقد سياسي جديد يعترف بأن الحراسة مسؤولية جماعية، وأن الشرعية تُجدَّد بالشفافية والمساءلة لا بالماضي النضالي وحده. حين يدرك الساسة أن الشعب ليس قطيعاً يُساق، بل شريك كامل الأهلية في صياغة مصيره، تتبدّد مقولة الوصاية من تلقاء نفسها. فالشعوب التي تعلّمت أن تهتف للحرية، لا تقبل أن تُختزل في تابع أو تُختصر في تفويض أعمى.
عندها فقط تتبدّل طبيعة السؤال. لا يعود الانشغال بمن يرث الوطن، وكأنّه تركةُ سلطةٍ أو غنيمةُ مرحلة، بل يرتقي الوعي إلى سؤالٍ أكثر نضجاً ومسؤولية، كيف نبنبه؟ وطناً شامخاً في سيادته، عادلاً في مؤسساته، ديمقراطياً في روحه، وطناً لا يقوم على وصاية أحد، بل على شراكة الجميع.
abudafair@hotmail.com