الأعمدةبريق أمل

تكاليف الحج تنحر أحلام البسطاء… والشوق يُقصى من الطريق إلى الله!!

بريق أمل
هنادي عوض بشير

في مشهدٍ يختلط فيه الديني بالاقتصادي، والروحي بالمعيشي، لم تعد فريضة الحج هذا العام مجرد رحلة إيمانية ينتظرها المسلمون بشوقٍ وطمأنينة، بل تحولت إلى اختبارٍ ماليٍ قاسٍ يُقصي شريحة واسعة من المواطنين، ويعيد تعريف مفهوم “الاستطاعة” على نحوٍ يثير التساؤلات.

وكأنّ لسان حال الواقع اليوم يعيد صدى ما قاله الشاعر اليماني البرعي قبل قرون، وهو يتألم على طريقه إلى البيت الحرام:

يا راحلين إلى منىً بقيادي
هيّجتم يوم الرحيل فؤادي…

غير أن الفرق بين الأمس واليوم، أن الألم لم يعد فرديًا ولا عاطفيًا فحسب، بل صار جماعيًا، تتداخل فيه ظروف الحرب والاقتصاد وتداعيات الانهيار المعيشي، ليجد المواطن السوداني نفسه أمام موسم حجّ تُغلق فيه الأبواب أمامه لا لغياب الشوق، بل لغياب القدرة.

أرقام تُعيد تعريف الاستطاعة

بحسب ما أعلنه المجلس الأعلى للحج والعمرة، جاءت تكاليف الحج هذا العام متفاوتة بين الولايات، على النحو الآتي:

الخرطوم: نحو 18,578,552 جنيهًا جوًا، و14,078,842 جنيهًا بحرًا

الجزيرة: حوالي 18,000,000 جنيه جوًا، و14,000,000 جنيه بحرًا

شمال كردفان: نحو 18,522,000 جنيه جوًا

شمال دارفور: حوالي 17,275,000 جنيه جوًا، و13,000,000 جنيه بحرًا

الولاية الشمالية: حوالي 14,343,000 جنيه بحرًا

البحر الأحمر: نحو 17,653,524 جنيهًا جوًا، و14,053,814 جنيهًا بحرًا

أرقام لا تُقرأ كإجراءات تنظيمية بقدر ما تُقرأ كـ”أسعار حلم” مؤجل، في ظل واقع اقتصادي خانق، جعل كثيرين يقفون خارج دائرة الاستطاعة، ليس لغياب الرغبة، بل لغياب القدرة.

الاستطاعة بين النص والواقع

إن ما يجري اليوم لا يمكن قراءته باعتباره مجرد ارتفاع في التكلفة أو إجراء تنظيمي موسمي، بل هو انعكاس مباشر لأزمة أعمق، أعادت تشكيل مفهوم القدرة والحرمان، وجعلت من “الاستطاعة” معيارًا ماليًا أكثر منها حالة إيمانية وإنسانية.

وبينما تتحدث البيانات عن تنظيم وتنسيق وحصص محددة، يقف آلاف المواطنين خارج هذه المعادلة بالكامل، لا لضعف الإيمان، بل لثقل الواقع.

حربٌ لم تنتهِ في تفاصيل الحياة

ورغم التبريرات المتعلقة بارتفاع أسعار الطيران والوقود وسعر الصرف، يبقى السؤال أكثر إلحاحًا: إلى أي مدى يمكن لهذه الأسباب أن تبرر إقصاء هذا العدد الكبير من المواطنين عن أداء الفريضة؟

فالمواطن السوداني لا يواجه فقط تكلفة الحج، بل يعيش امتداد حربٍ شنتها مليشيات الدعم السريع، لم تكتفِ باستباحة الأرواح والممتلكات والبنية التحتية، بل تركت أثرها العميق في الاقتصاد وقدرة الناس على الحياة ذاتها.

بين التنظيم والإقصاء الصامت

الإجراءات التنظيمية والتقديم الإلكتروني وتحديد الحصص تبدو في ظاهرها خطوات إدارية، لكنها في الواقع لا تغيّر النتيجة:

حجٌّ منظم… لكن خارج متناول الغالبية.

إقصاءٌ لا يُعلن صراحة، لكنه يحدث بصمت.

وهكذا، يبدو الحج هذا العام أقرب إلى امتيازٍ اقتصادي منه إلى فريضةٍ دينية، في تحولٍ يفرض أسئلةً صريحة حول العدالة، والقدرة، وحدود ما يمكن أن يتحمله الإنسان في زمن الحرب والانهيار.

وما بين البرعي في رحلته القديمة، والمواطن السوداني اليوم، يبقى المشهد واحدًا يتكرر بصيغ مختلفة: شوقٌ كبير… وواقعٌ أقسى من الوصول.

ذبحوا ضحاياهم وسال دماؤها، وأنا المتيم قد نحرتُ فؤادي…
وكأننا جميعًا اليوم لا نملك إلا أن ننحر الشوق في داخلنا، حين يعجز الطريق عن حملنا إلى البيت الحرام.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى