
تأملات
جمال عنقرة
العنف مرفوض .. لكنه لا يسقط المواطنة ولا يخرج من الملة
لم يحذر الرسول صلي الله عليه وسلم من شئ كما حذر من الخلاف والشقاق، والصراع والاحتراب، وثبت عنه صلي الله عليه وسلم أنه قال، أن يبعث الله علي الناس عذابا من فوقهم، ومن تحت ارجلهم أهون من أن يلبسهم شيعا وطوائف، ويذيق بعضهم بأس بعض، وحذر المسلمين من استخدام العنف لتصفية خلافاتهم، وقال في ذلك (اذا التقي المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار)
وهذا التحذير الغليظ يجب الا يقرأ بمعزل عن الحث علي الاجتهاد، وقول الرسول في ذلك ثابت، بأن للمجتهد المصيب اجران، وللمخطئ، اجر الاجتهاد، وقاد الاجتهاد الصادق أصحابه إلى نتائج مختلفة، ولعل اشهرها ما حدث في حياة الرسول صلي الله عليه وسلم، يوم أن أرسل تجريدة لاجلاء يهود بني قريظة، فقال لهم صلي الله عليه وسلم، لا تصلون العصر الا ببني قريظة، فأدركهم العصر قبل أن يدركوا بني قريظة، فصلي بعضهم لدخول الوقت، وأجل بعض اخر إلى أن وصلوا بني قريظة، لنص وصية رسول الله صلي الله عليه وسلم، ولما عادوا إلى المدينة، أجاز الرسول صلي الله عليه وسلم الصتيعين، رغم اختلافهما التام، وفي اهم شأن، الصلاة عماد الدين.
وبصرف النظر عن الخلافات الفقهية بعد وفاة رسول الله صلي الله عليه وسلم، لاختلاف منطلقات الاجتهاد مثل ترجيح عمل اهل المدينة علي حديث الآحاد، أو ترجيح القياس الجلي عليه، أو غيرهما مما اعتمده الائمة والفقهاء في استنباط الأحكام، فإن اختلاف الاجتهاد في مسائل السياسة والحكم، قاد إلى أن يتقاتل أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم، ويقتل بعضهم بعضا، وفيهم مبشرون بالجنة، ويقود فريق منهم سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه الذي لم يسجد لصنم قط، وفي الطرف الآخر أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق، الحميراء التي أخذنا نصف ديننا منها، ومع ذلك لم ولن يجرؤ احد علي تجريم احد من المتقاتلين، لأن ما تقاتلوا عليه أمر دنيا، يجتهد الناس فيه، ولكل صاحب اجتهاد اجر.
لم تقف خلافات الاجتهاد عند زمن الصحابة، ولا التابعين، وإنما تمددت الفتنة وتعددت، وهذا أيضا حذر منه القرآن، وحذرت منه السنة النبوية، وإذا كان في اهل المدينة من مردوا علي النفاق، فإن من أتوا بعدهم تمادوا في ذلك، ولئن كان بين السابقين سماعون لهم، فإن اكثرنا اليوم سماعون لهم، وهم العدو الذي حذر الله منه.
أما بالنسبة الخلاف في القضايا الوطنية، وفي بلدنا السودان، فإن أطول أنظمة الحكم أتت بانقلابات عسكرية، وكل الانقلابات العسكرية تقف خلفها قوي واحزاب سياسية، وكلها تأتي لحسم صراع سياسي، فلما خاف حزب الأمة أن يقود توحد الاتحاديين بوساطة مصرية إلى إسقاط حكومته عبر البرلمان، قام رئيس الوزراء عبدالله بك خليل بتسليم الحكومة إلى قائد الجيش الفريق ابراهيم عبود، ولما تحالفت الاحزاب الكبيرة وطردوا نواب الحزب الشيوعي من البرلمان، تحالف الشيوعيون مع القوميين العرب، واسقطوا الحكومة الديمقراطية بانقلاب مايو ١٩٦٩م، ولما تآمرت بعض الاحزاب مع بعض العسكريين واخرجوا الجبهة الإسلامية من الحكومة، نفذت الجبهة انقلاب الإنقاذ في يونيو ١٩٨٩م، اما علي مستوي الانتفاضات المسلحة، فأشهرها واوسعها انتفاضة يوليو ١٩٧٦م المسلحة التي نفذتها الجبهة الوطنية المعارضة التي كانت تضم أحزاب الأمة والاتحادي والحركة الإسلامية، ومعلوم أن هذه العملية العسكرية تم الاعداد لها وتمويلها، وتسليحها كله خارج الوطن، وهي التي عرفت وقتها باسم المرتزقة حسبما أسماها الإعلام الحكومي انذاك، وقد يذكر الناس عملية الذراع الطويل التي نفذتها حركة العدل والمساواة.
هذه الأمثلة وتلك، تؤكد أن استخدام العنف لحسم الخلاف السياسي ليس جديدا، ولا غريبا، لا علي مستوي الدين ولا الوطن، وهو عمل غير محمود، لكنه مسبوق، واصحابة يجدون له العذر والمبرر، ولا تزال القوي الوطنية تحتفي بالذين قضوا في تلك الأحداث، وهم عندهم شهداء، نسأل الله أن يتقبلهم جميعا.
المطلوب الان أن نضع حدا لممارسة العنف في السياسة وفي غير السياسة، وهذا يكون بالتراضي علي مناهج حضارية لإدارة الخلافات الاجتهادية السياسية وغير السياسية، وفي هذا يجب أن ترفض محاولات استغلال مثل هذه السوابق لممارسة مزيد من الاقصاء، وإصدار أحكام لا يسندها دين ولا منطق، فالذي يجتهد ويخطي، لا يخرجه اجتهاده الخاطي من الملة، ولا يجرده من وطنيته.