الأعمدةبريق أمل

حين تبدأ الامتحانات… ويجلس الوطن كله في قاعة واحدة

بريق أمل

هنادي عوض بشير

اليوم، لا تنطلق مجرد امتحانات…
اليوم تنطلق حكايات صبرٍ طويلة،
وتُفتح دفاتر لم تُكتب فيها الإجابات فقط،
بل كُتب فيها وجع عامٍ كامل… وربما أكثر.

تنطلق امتحانات الشهادة السودانية،
وفي كل بيتٍ سوداني طالبٌ لا يحمل قلمه فقط،
بل يحمل معه خوف أمه،
ودعاء أبيه،
وتعب أسرةٍ كاملة كانت تحاول أن تُبقي الحلم حيًا رغم كل شيء.

اليوم، يجلس نحو 564 ألف طالب وطالبة،
موزعين على أكثر من 3,333 مركزًا داخل السودان وخارجه،
وفي 11 ولاية فقط من أصل 18،
بينما تفرّق آخرون بين ولاياتٍ بعيدة،
وبعضهم جلس للامتحان خارج حدود الوطن،
حاملين معهم حنين الأرض ووجع الغياب.

هذا العام…
لم يكن عامًا دراسيًا عاديًا،
بل كان عامًا مثقلًا بالحرب، والقلق، والتشتت،
عامًا ضاعت فيه الحصص، وتفرقت فيه الفصول،
وتعلم فيه الطلاب دروسًا في الصبر
أكثر مما تعلموه في الكتب.

طلاب جلسوا للمذاكرة على ضوءٍ خافت،
وآخرون بين أصوات الخوف،
وبعضهم لم يجد حتى المكان الذي يُسمى “بيتًا”…
لكنهم رغم ذلك… لم يستسلموا.

وفي إطار الإجراءات المصاحبة لضبط العملية الامتحانية،
تم الإعلان عن قطع خدمة الإنترنت يوميًا من الساعة الثانية حتى الخامسة مساءً،
كإجراء احترازي للحد من تسريب الامتحانات،
ورغم تفهّم دوافعه، إلا أنه يضيف واقعًا جديدًا على حياة المواطنين
في ظل اعتماد كثير من تفاصيل الحياة اليومية على الاتصال بالشبكة.

وفي الخارج، يجلس نحو 60 ألف طالب وطالبة في 14 دولة،
يحاولون أن يكتبوا مستقبلهم بعيدًا عن وطنهم،
لكن قلوبهم ما زالت هنا…
في كل فصلٍ، وفي كل مقعدٍ، وفي كل دعوة أم.

اليوم، حين يجلس هؤلاء الطلاب للامتحان،
فهم لا يُمتحنون في الرياضيات أو اللغة فقط،
بل يُمتحنون في قدرتهم على الصمود،
في إيمانهم بأن الغد يمكن أن يكون أجمل.

هذه ليست امتحانات عادية…
هذه شهادة على أن هذا الجيل
أقوى مما نظن،
وأكبر من كل الظروف التي حاولت كسره.

إلى كل طالب وطالبة:
أنتم لا تدخلون قاعة الامتحان وحدكم،
يدخل معكم دعاء وطنٍ كامل،
وقلوبٌ كثيرة تتمنى لكم النجاح.

لا تخافوا…
افعلوا ما تستطيعون،
واتركوا الباقي لله،
فهو يعلم كم تعبتم،
ويعلم أن لكل مجتهد نصيب.

اللهم في هذا اليوم،
وفّق أبناءنا وبناتنا،
واشرح صدورهم، ويسّر أمورهم،
واكتب لهم النجاح الذي يفرح قلوبهم وقلوب أهلهم 🤍

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى