الأعمدة

*روشتة في بريد الأسرة*  🖊️ *بقلم : أسماء قسم الله* / *إخصائي الصحة*  *« ​الملاريا والضنك تحالف ضد البشرية»* 

*روشتة في بريد الأسرة*

🖊️ *بقلم : أسماء قسم الله* / *إخصائي الصحة*

*« ​الملاريا والضنك تحالف ضد البشرية»*

فى خضم الحرب التي فرضت علي السودان ، يلوح في الأفق غزو ثنائي الأبعاد ، ​في حرب الاستنزاف التي تخوضها البشرية ضد الأوبئة، و ولد حلفٌ صامت ولكنه فتاك؛ حلفٌ لا يوقعه جنرالات، بل تقوده لدغات صغيرة تسكن الظلام. الملاريا وحمى الضنك، و بحكم التباين الوظيفى الذى جعلهما متضادين ، إلا أنهما قررا _ بفعل التغيرات الكونية_ أن يوحدا جبهات القتال، ليضعا الجسد البشري والنظم الصحية أمام ” هجمات وبائية شاملة”.

“التكتيك مختلف والهدف واحد” ​بينما تنتمي الملاريا إلى عالم الطفيليات (بلازموديوم) التي تستوطن الكبد وكريات الدم الحمراء، تأتي حمى الضنك كإعصار فيروسي يضرب الأوعية الدموية. هذا التباين البيولوجي هو سر قوتهما بعد تضافر الجهود ، فالمريض إذا ما نجا من فقر الدم الناتج عن الملاريا، قد يجد نفسه في مواجهة نزيف داخلي حاد يسببه “الضنك”. إنه تحالف بين “الميكروب البطيء المستمر” و”الفيروس السريع المفاجئ”

​ فتتلاشي البروتوكولات التقليدية طالما كان لكل مرض مملكته الخاصة؛ الملاريا في الأرياف والمستنقعات، والضنك في المدن المزدحمة. لكن اليوم وبسبب التوسع العمراني العشوائي، تداخلت الحدود فنشأ ما يسمى بـ “المناطق الرمادية”، حيث يجد الإنسان نفسه عرضة لنوعين من البعوض في آن واحد و هما هجين، مما حوّل الخرائط الوبائية من جزر منعزلة إلى مسرح عمليات موحد ، تمتد من الجنوب الي الشمال.

“فخ التشابه والعدوى المشتركة”

​تكمن خطورة هذا التحالف في “التمويه السريري”. كلاهما يبدأ بحمى وقشعريرة وآلام في العظام، مما يوقع الأطباء في مصيدة التشخيص المتكرر و الخاطئ. والأدهى من ذلك هو ظاهرة “العدوى المشتركة” (Co-infection)؛ حيث يُصاب المريض بالمرضين معاً (متلازمة). هنا، لا يصبح الجسد ساحة معركة واحدة، بل جبهتين مفتوحتين، مما يرفع معدلات الوفيات ويجعل بروتوكولات العلاج التقليدية تقف عاجزة، فتأتي رياح التغيير التي تخدم الوباء” ​لم يكن لهذا التحالف أن يزدهر لولا “الوقود المناخي” الاحتباس الحراري وتذبذب الأمطار وفرا بيئة مثالية لنمو يرقات البعوض وتسريع دورة حياة الميكروبات بداخلها درجات الحرارة المرتفعة لم تعد تقتل هذه الكائنات، بل زادت من شراستها وقدرتها على الانتشار في مناطق كانت تُعتبر تاريخياً “مناطق آمنة” ومن هنا جاء “استنزاف المنهكين” ​هذا التحالف الوبائي يضرب بشدة في المناطق الأكثر نموا و فقراً، مما يخلق حلقة متداخلة بين الفقر والمرض ، بتكاليف العلاج المزدوج، و التأثيرات المباشرة فى بقاء القوى العاملة، والضغط الهائل على غرف العناية المركزة، يحوّل ميزانيات الصحة من “التنمية” إلى “الطوارئ الدائمة” مما يجهض أحلام النهوض الاقتصادي في الدول النامية.

​كسر هذا التحالف لا يكون بالعلاجات التقليدية وحدها، بل بـ “ذكاء مضاد”. نحن بحاجة إلى استراتيجيات هجينة: لقاحات متطورة، وتعديل وراثي للبعوض الناقل، وأنظمة إنذار مبكر تعتمد على نظم الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالانفجارات الوبائية قبل حدوثها.

“تكنولوجيا المواجهة الشاملة”

إن تحالف الملاريا والضنك ليس مجرد صدفة بيولوجية، بل هو رسالة استغاثة من كوكب مختل التوازن. المواجهة لم تعد خياراً، بل ضرورة وجودية؛ فإما أن نتحد كبشرية في مواجهة هذا الحلف، أو نترك “اللدغات الصامتة” ترسم مستقبلنا بالدم والألم ​.

نواصل……

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى