
شيء للوطن م.صلاح غريبة Ghariba2013@gmail.com تكامل وطني خلف “الخوذة البيضاء”: الدفاع المدني السوداني في مواجهة مرارة الحرب وتقلبات الطبيعة
شيء للوطن
م.صلاح غريبة
Ghariba2013@gmail.com
تكامل وطني خلف “الخوذة البيضاء”: الدفاع المدني السوداني في مواجهة مرارة الحرب وتقلبات الطبيعة
يأتي الأول من مارس لعام 2026 حاملاً معه شعارًا يلمس الجرح والاحتياج السوداني بعمق: “تكامل وطني.. لأسرة مستعدة ومجتمع مستدام”. هذا اليوم ليس مجرد احتفالية بروتوكولية، بل هو وقفة إجلال لمؤسسة تقف في “المنطقة الرمادية” بين الموت والحياة، وفي بلد تتنازعه التناقضات؛ حيث تنعم مناطق باستقرار أمني هش، بينما تُمطر سماء مناطق أخرى بالطائرات المسيرة، وتكتظ أخرى بمخيمات النزوح واللجوء.
في الوقت الذي تخلو فيه الشوارع عند سماع دوي الانفجارات، يندفع رجال الدفاع المدني السوداني نحو مصدر الخطر. لم تعد مهامهم تقتصر على إطفاء حرائق المنازل، بل أصبحوا يتعاملون مع مخلفات الحرب وشظايا المسيرات التي تتساقط فوق رؤوس الأبرياء. إنهم “شريان الحياة” الذي يربط بين الأنقاض والأمل، يعملون بإمكانيات محدودة وتحديات لوجستية معقدة لإجلاء العالقين في بؤر الصراع وتأمين العودة الطوعية للنازحين.
لا يواجه الدفاع المدني السوداني نيران الحرب فحسب، بل يستعد لمواجهة “جيش” آخر من الكوارث الطبيعية. فالتوقعات المناخية تشير إلى احتمالات عالية للفيضانات والسيول هذا العام، مما يضع هذه المؤسسة أمام جبهتين؛ جبهة الحرب في تأمين مناطق النزوح والتعامل مع الحرائق الناتجة عن القصف، وجبهة الطبيعة في درء مخاطر السيول وحماية الأسر التي فقدت المأوى وتعيش في مناطق مكشوفة.
الأسرة المستعدة هي اللبنة الأولى في جدار الحماية بتحقيق شعار “التكامل الوطني” والذي يبدأ من الوعي المجتمعي. إن نشر ثقافة السلامة داخل مخيمات النزوح وفي الأحياء التي تستعد لاستقبال العائدين ليس ترفاً، بل هو خط الدفاع الأول، وإن تدريب رب الأسرة على الإسعافات الأولية وتوعية المجتمع بمخاطر الأجسام الغريبة والتعامل مع الطوارئ، هو ما يحول المجتمع من ‘ضحية منتظرة’ إلى ‘شريك في الإنقاذ’.
نداء للتعاون والمسؤولية بمناسبة اليوم العالمي للحماية المدنية، تبرز ثلاث أولويات ملحة، تشمل دعم دولي نوعي بدعوة المنظمات الإنسانية لتقديم معدات حديثة تتناسب مع طبيعة المخاطر الحالية (أجهزة كشف المتفجرات، معدات إنقاذ تحت الأنقاض)، والشراكة المجتمعية بالتزام المواطنين بتعليمات السلامة والتعاون الكامل مع فرق الدفاع المدني لتسهيل مهامهم، والاستدامة بتحويل ثقافة “الاستجابة للكارثة” إلى ثقافة “الوقاية منها” عبر برامج تدريبية وطنية شاملة.
ختاماً، يظل رجال الدفاع المدني في السودان رمزاً للتضحية، ينسجون من وسط الركام خيوط الأمان. هم الجيش الذي لا يحمل سلاحاً، بل يحمل “حياة”. فلنكن جميعاً سنداً لهم لنبني مجتمعاً مستداماً وقادراً على الصمود.