مقالات

عراقة التجربة وحداثة الطرح: قراءة في ندوة (الوفاء النقابي)

بقلم:/حسبن ابومحمد

​يقول القائل: “ليس من رأى كمن سمع”، وهي قاعدة ذهبية نضعها نصب أعيننا ونحن نرصد مخرجات الندوة الحوارية الأخيرة التي ضمت صفوة القامات القانونية والرموز النقابية السودانية. إن من حضر وشهد ليس كمن قرأ شذرات أو استقى معلوماته من خلف الشاشات؛ فالمشهد كان أبلغ من أي وصف، والمحتوى كان أعمق من أي تأويل.

​هرم الخبرة وتراكم المعرفة

​لم تكن الندوة مجرد تجمع عابر، بل كانت تجسيداً حياً للامتداد الطبيعي للمدرسة النقابية السودانية الرصينة. وحين نتحدث عن منصة يتصدرها هرم نقابي بقامة الأستاذ الجنيد أحمد محمد صالح، نائب رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال السودان السابق، فنحن لا نتحدث عن مناصب رسمية فحسب، بل عن “مرجع نقابي يمشي على قدمين”.
​إن صعود الأستاذ الجنيد لقمة الهرم النقابي لم يكن وليد صدفة، بل هو نتاج تدرج طبيعي وخبرة تراكمت عبر السنين، مما جعل مداخلاته وأوراقه المقدمة دروساً في فقه العمل النقابي، لا يدرك كنهها إلا من سهر على خدمة القواعد العمالية وعلم دهاليز القوانين المنظمة لها.

​بيئة الحوار: عندما يلتقي الفكر بالأناقة

​إن النجاح لأي فعالية يبدأ من “عتبة الباب”، وقد تجلى ذلك في:

​الإعداد اللوجستي: اختيار المكان الذي يليق بحجم القامات الحاضرة، مما وفر مناخاً نفسياً وفكرياً للإبداع.

​الحضور النوعي: شمولية الحضور وأناقته لم تكن شكلية، بل كانت تعكس تقديراً لقيمة العلم والقانون، حيث التقت الأجيال النقابية في مظهر حضاري مشرف.

​ثراء النقاش: المدخلات لم تكن مجرد تعليقات، بل كانت “عصارة تجارب” ومكتسبات مهنية، صبغت الحوار بصبغة واقعية بعيدة عن التنظير الأجوف.

​كلمة حق.. ورسالة للنقاد

​إلى كل من يحاول قراءة المشهد من زاوية ضيقة، أو يطلق أحكاماً مرسلة دون الوقوف على التفاصيل: إن العمل النقابي هو تراكم للخبرات، وما قدمه الخبراء القانونيون والنقابيون في هذه الندوة هو إرث يجب البناء عليه لا القفز فوقه. إن الخبرة التي يمتلكها هؤلاء القادة هي “البوصلة” التي تحمي العمل النقابي من الانحراف في أوقات الأزمات.
​إننا لا ندافع هنا عن أشخاص، بل ندافع عن “منهجية” في العمل ركيزتها العلم، وسداها الخبرة، ولحمتها القانون. ومن أراد أن يحكم، فليحكم على الحجة بالحجة، وعلى الورقة بالواقع، بعيداً عن صخب الانطباعات السطحية.

​ختاماً: ستظل هذه الندوة علامة فارقة في مسيرة الحوار النقابي، ليس لجمال تنظيمها فحسب، بل لأنها أعادت الاعتبار لجيل العمالقة، وأثبتت أن جذور العمل النقابي السوداني ما زالت ضاربة في عمق التقاليد القانونية والوطنية

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى