مقالات

عودة الدولة إلى الخرطوم… معركة الأمن الأصعب في زمن السلاح المنفلت

كتب: محمد عثمان الرضي

عقب تحرير العاصمة القومية الخرطوم، بدأت الدولة في استعادة أنفاسها، وشرعت مؤسساتها في العودة إلى قلب المشهد بعد غياب قسري فرضته ظروف الحرب

وكانت وزارة الداخلية أولى الوزارات التي غادرت العاصمة الإدارية المؤقتة بورتسودان، متجهة إلى الخرطوم، في خطوة عكست إدراكاً عميقاً لحساسية المرحلة وأولوية الملف الأمني.

الوزارة، بمختلف وحداتها وتشكيلاتها العسكرية والشرطية، باشرت مهامها فور وصولها، دون توقف أو تردد، في رسالة واضحة بأن الأمن لا يحتمل الانتظار.

هذه العودة لم تكن إجراءً إدارياً عادياً، بل إعلاناً عملياً عن بدء معركة جديدة، معركة فرض هيبة الدولة واستعادة سيادة القانون.

 

غير أن الواقع الأمني في مرحلة ما بعد الحرب يختلف جذرياً عما كان عليه قبلها، سواء من حيث طبيعة التهديدات أو أدوات الجريمة.

 

فآليات المجرم قبل الحرب لم تعد هي ذاتها اليوم، إذ انتقل من استخدام السلاح الأبيض والأدوات التقليدية إلى حمل مختلف أنواع الأسلحة النارية.

إفرازات الحرب أسهمت بشكل مباشر في انتشار السلاح على نطاق واسع، سواء في أيدي المجرمين أو بعض المواطنين.

هذا الواقع الجديد جعل من مهمة الشرطة أكثر تعقيداً، ورفع سقف التحديات التي تواجهها في بسط الأمن والاستقرار.

وقبل اندلاع الحرب، كانت البلاد تعاني أصلاً من انتشار السلاح غير المقنن في أيدي بعض المواطنين، ورغم تعدد الحملات والمبادرات الرسمية لجمعه والسيطرة عليه، إلا أن معظم تلك المحاولات فشلت ولم تحقق أهدافها المرجوة.

 

فكيف سيكون الحال بعد حرب خلّفت كميات هائلة من السلاح وأنتجت واقعاً أمنياً أكثر هشاشة وتعقيداً؟
اليوم لم يعد السلاح مجرد ظاهرة اجتماعية محدودة، بل تحول إلى أحد أخطر إفرازات الحرب، ما يجعل مهمة ضبطه واستعادته تحدياً أمنياً مضاعفاً.

الشرطة، مهما بلغت قدراتها البشرية واللوجستية، لا يمكنها وحدها إنجاز هذه المهمة الثقيلة دون دعم واسع.
الأمر يتطلب تضافر الجهود الرسمية والشعبية، وبناء شراكة حقيقية بين المواطن والمؤسسات الأمنية.

فالمرحلة الراهنة لا تحتمل العمل المنفرد أو الحلول الجزئية، بل تحتاج إلى رؤية شاملة وإرادة جماعية.

التحديات التي تواجه الشرطة بعد الحرب جسيمة، ودورها سيتضاعف أضعافاً مقارنة بما كان عليه في السابق.

 

وهذا الواقع يفرض ضرورة التفكير خارج الصندوق، وتبني سياسات أمنية غير تقليدية تتناسب مع حجم الخطر.
التحدي لا يقتصر على ضبط المواطنين الخارجين على القانون، بل يمتد ليشمل ضبط سلوك منسوبي القوات النظامية والقوات المساندة.

الالتزام الصارم بالتعليمات والتوجيهات داخل هذه القوات أصبح ضرورة لا تقبل التهاون أو المجاملة.

كما أن ضبط المظاهر العسكرية المختلفة داخل العاصمة الخرطوم يمثل خطوة محورية في استعادة الأمن وبث الطمأنينة.

فوجود السلاح في الشوارع خارج الأطر الرسمية يقوض أي جهد أمني مهما كان محكماً.
ومع عودة المئات من المواطنين إلى العاصمة القومية لاستئناف حياتهم اليومية، برز الأمن كأكبر هاجس يشغلهم.

فالمواطن قد يتحمل الجوع والعطش وضيق العيش، لكنه لا يستطيع التعايش مع غياب الأمن.
الأمن بالنسبة له ليس مطلباً ثانوياً، بل شرطاً أساسياً للحياة الكريمة والاستقرار.

الخراب سهل وسريع، ويمكن أن يحدث في لحظات، لكنه يترك جراحاً عميقة.
بعود ثقاب واحد يمكن إحراق مدينة كاملة، لكن إعادة بنائها تحتاج إلى موارد ضخمة وزمن طويل.

ولا يمكن لأي عملية إعمار أو تنمية أن تنجح من دون أرضية أمنية صلبة.
الأمن هو القاعدة التي تُبنى عليها كل الجهود الأخرى، من خدمات واقتصاد واستثمار.
وعليه، فإن عودة الحكومة والوزارات إلى الخرطوم، رغم أهميتها السياسية والمعنوية، لا تكفي وحدها.

ما لم تسبق هذه العودة أو تواكبها خطط أمنية محكمة ومدروسة، فإن المخاطر ستظل قائمة.

خطط تأخذ في الاعتبار انتشار السلاح، وتعدد الفاعلين، وتعقيدات ما بعد الحرب.
كما تتطلب هذه الخطط وعياً مجتمعياً وإسناداً شعبياً حقيقياً.

فالشرطة لن تنجح وحدها ما لم تجد المواطن شريكاً في حفظ الأمن لا متفرجاً على الفوضى.
اليوم تقف الخرطوم أمام اختبار تاريخي حاسم، إما أن تنتصر فيه الدولة وسيادة القانون، أو يُترك المجال للفوضى والسلاح المنفلت.

ومع عودة وزارة الداخلية، تبقى معركة الأمن هي التحدي الأكبر واختبار الجدية الحقيقي لمرحلة ما بعد الحرب.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى