
فرص العمل كأداة للاستقرار الأمني والسياسي
وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي
في الدول الخارجة من الحروب، يُختبر النجاح ، بقدرة الدولة على بسط الأمن وسدّ الفراغ الاجتماعي عبر خلق فرص عمل تُدمج الناس في دورة إنتاج، فتمنع عودة العنف وتؤسس لسلامٍ مستدام وبناءٍ حقيقي للدولة.
الخلل الجوهري في مقاربات ما بعد الحرب يكمن في الفصل بين الأمن والتنمية، وكأن الأمن يُبنى بالقوة أولًا ثم تُلحق به السياسات الاقتصادية لاحقًا. غير أن التجربة التاريخية تُظهر أن الأمن المنفصل عن واقع معاش الناس يتحول سريعًا إلى عبء على الدولة، فيما يتحول الاقتصاد المعطّل الي عائق . فالدولة التي لا تنتج قد تحكم مؤقتًا، لكنها لا تستقر سياسيًا.
ولا يمكن فهم هذه المعادلة في السودان دون استحضار السياق الذي سبق الحرب. فمرحلة ما قبل 15 أبريل 2023 كانت مشبعة بتراكمات اجتماعية وسياسية، في مقدمتها البطالة وسط الشباب، وغياب العدالة في فرص العمل، وانسداد الأفق أمام جيل كامل وجد نفسه خارج معادلة الدولة والاقتصاد. هذا الغُبن الاجتماعي تحوّل إلى طاقة احتجاجية، وأسهم – إلى جانب الطمع في الموارد والتدخلات الخارجية والمخططات التآمرية – في خلق سيولة أمنية استُثمرت لاحقًا في الانزلاق من الاحتجاج إلى الحرب عقب فشل انقلاب مليشيا الدعم السريع وداعميها المحليين والإقليميين.
ليس المقصود هنا اختزال الحرب في أسباب معيشية، بل الإشارة إلى أن هشاشة البنية الاجتماعية، ووجود كتلة شبابية واسعة بلا عمل وبلا أفق، وفّرت البيئة المثالية لاختراق المشهد السياسي والأمني. في هذه الحالة، لم تكن البطالة مجرد ظاهرة اقتصادية، بل تحولت إلى وقود سياسي، جعل الشارع قابلًا للاشتعال، والدولة أقل قدرة على الضبط الوقائي.
تبعا لذلك ، تكتسب عودة الحكومة إلى الخرطوم معناها الحقيقي حين تُقرأ من زاوية التحدي الاجتماعي والأمني معًا. فإعادة بناء المركز السياسي والأمني تتم في ظل إرهاق مجتمعي، خلّفته حرب عطّلت الإنتاج، وقطعت سلاسل الإمداد، وأخرجت ملايين الأفراد من سوق العمل. هذا الانقطاع لا يُضعف الاقتصاد فحسب، بل يُعيد إنتاج القطيعة بين المواطن والدولة، ويُفرغ الاستقرار الأمني من مضمونه السياسي.
من هنا يصبح العمل آلية لإعادة الإدماج السياسي عبر الاقتصاد. فهو الأداة التي تنقل الفرد من موقع التلقي إلى موقع الشراكة في الاستقرار. المواطن العامل يصبح طرفًا في معادلة الأمن لا موضوعًا لها، بينما تتحول البطالة،خاصة وسط الشباب، إلى تهديد أمني يُنتج قابلية للتطرف أو الانفلات أو الانخراط في العنف والجريمة، أو الانسحاب الكامل من الحياة.
وتتضاعف خطورة هذه المعادلة في السودان بسبب انهيار “اقتصاد الحياة اليومية”، ذلك القطاع غير الرسمي الذي شكّل تاريخيًا خط الدفاع الاجتماعي الأول ضد التفكك. انهياره حرم الدولة من أداة الإستقرار، وترك فراغًا لم تملأه الإجراءات الأمنية ولا الوظائف الحكومية المحدودة. فالأمن، مهما بلغ من الانضباط، لا يستطيع وحده تعويض غياب السوق والعمل والدخل المنتظم.
عليه ، لا يصبح تشغيل الشباب خيارًا تنمويًا فحسب ، بل ضرورة أمنية وسياسية. فإعادة الإعمار، إذا لم تُصمَّم بوصفها مشروعًا لاستيعاب الشباب، تُخاطر بإعادة إنتاج الشروط ذاتها التي سبقت الحرب، ولو في سياق أكثر هدوءًا. ومن هنا تبرز الحاجة إلى سياسات تشغيل موجَّهة تجعل من الشباب محورًا لا هامشًا في عملية التعافي واستعادة الأمن والسلام.
وفي هذا الإطار، لا يمكن ترك ملف التشغيل لمنطق السوق ، ولا الاكتفاء بالوعود. إذ يصبح من الضروري إلزام كل الشركات المحلية والأجنبية المشاركة في إعادة الإعمار بنسبة لا تقل عن 25% من العمالة السودانية في جميع المستويات. مع فرص تدريب ملزمة للخريجين ، فالتشغيل بمثابة توطين للوظائف، بجانب توطين للاستقرار، وربط مباشر بين إعادة بناء الحجر وإعادة بناء الثقة في الدولة.
إن إشراك السودانيين في مواقع التنفيذ والإدارة داخل مشاريع إعادة الإعمار يعيد ربط المجتمع بمسار التخطيط التنموي، ويمنع تحوّل الإعمار إلى نشاط اقتصادي معزول عن البيئة الاجتماعية. أما تجاهل هذا البعد، فيُنتج مفارقة خطرة: مدن تُعاد إعمارها، وشباب يُعاد تهميشهم، وهي المفارقة التي تُمهّد لعودة التوتر والفوضى.
من هنا لا بد من إعادة تعريف مفهوم السياسة الاقتصادية في السودان. فالمسألة لا تتعلق بتحسين المؤشرات الكلية وحدها، بل بإعادة بناء الاقتصاد بوصفه أداة للضبط الاجتماعي. السياسات التي تركز على الأجور فقط، رغم ضرورتها، تظل محدودة الأثر ما لم تُقابل بتوسيع قاعدة الإنتاج وفرص العمل. فالوظيفة الحكومية، في دولة خارجة من حرب، لا يمكن أن تكون الحل العام، لأنها تُعيد إنتاج الدولة الريعية بدل دولة الإنتاج.
وهنا تبرز أهمية الانتقال من منطق “إدارة البطالة” إلى منطق “تفكيكها”. وهذا يتطلب تحولات هيكلية في التفكير : تحويل المحليات من وحدات جباية إلى منصات إنتاج. ربط إعادة الإعمار بالتشغيل والتدريب. استخدام الإنفاق العام كرافعة لتوليد فرص العمل لا كأداة استهلاك. وتوجيه الدعم الدولي نحو المشاريع التنموية بدلًا من برامج الإغاثة طويلة الأجل .
في هذا السياق، تكتسب موازنة عام 2026 أهميتها السياسية من فلسفتها. فإذا ظلت أسيرة منطق الطوارئ، ستُبقي الاقتصاد في حالة شلل. أما إذا تحولت إلى أداة لإعادة إدماج القوى العاملة عبر التعليم والزراعة وإعادة الإعمار، فإنها قد تشكل نقطة انعطاف حقيقية. فإعادة الإعمار ليست إعادة بناء الحجر، بل إعادة تشغيل البشر، وهذه هي السياسة في معناها الحقيقي.
الخلاصة، من زاوية #وجه_الحقيقة، فإن فرص العمل ليست ملفًا اجتماعيًا تابعًا للاستقرار الأمني والسياسي، بل إحدى أدواته المركزية. فالسودان لا يحتاج فقط إلى ضبط أمني يمنع تكرار الحرب، بل إلى سياسات تشغيل تُغلق المسار الذي قاد إليها. الدولة التي تُؤمّن العمل للشباب تُحصّن أمنها وتمنح سياستها قاعدة اجتماعية حقيقية، أما الدولة التي تُعيد الإعمار دون عدالة في الفرص، فإنها تترك أسباب عودتها أزمة مؤجلة.
دمتم بخير وعافية.
الخميس 8 يناير 2026 م Shglawi55@gmail.com