مقالات

( كيف يا إخوانا إنتو اتنين)…

واو الجماعة…
عوض أحمدان..
قبل أن يطوي عام الأحزان، صفحات الرحيل المؤلمة بأيام من نهايته، آثر ان يكون اسبوعه الأخير مبعثاً للحزن علي نطاق واسع، فقدنا خلاله إثنين من رموز الشعر، وعشاق الثقافة، من الناشطين، الذين ماذادتهم الحرب المفجعة، إلا ثباتاً، وقوةً وايماناً، بحتمية الدفاع عن الوطن، كواجب تمليه الضمائر الحية،التي ما فتئت تتواصل دعواتها، أن يخرج الله البلاد من محنتها، ويجود عليها بالأمن والأمان والثبات ، حتي يعود السودان، أفضل مما كان عليه، يمضي الرجل فيه، يزرع أرضه جيئةً وذهاباً، مطمئناً لا يفزعه شيء، لا يخشي في غدوه ورواحه، الاَ الله، والذئب علي غنمه…
في زمان الفواجع والأحزان، فقدنا من أحبتنا الأثيرين، في نهاية ديسمبر، وقبل أن يطل العام الجديد، الشاعرين،،محمد العبيد سيداحمد، ومحمد سليمان سيداحمد عواض، لم يفصل بين رحيلهما سوي أيام ثلاثة…..الشاعر (ود العبيد)، جبل من جبال الشعر الشاهقة ،القوية، حاله كحال جبل البركل الشهير، الذي شهد ميلاده عام ١٩٣٧م، بمروي شرق، له أسلوب معروف في كتابة القصيدة، التي تأتي عنده، مليئة بعبق الأرض وروائح الجروف، يستمد المفردة ويستدعي المعاني، من واقعه الذي يعيش، حيث البساطة ونقاء الضمير، وصفاء النية، التي جعلت أشعاره أهازيج تمشي بين الناس، تحدث عن الوفاء الظاهر، الذي طوّق به عُنق شريكة عمره (شادية حسن أبشر)، رافقته في الدنيا سنيناً عدداً، رزقه الله منها البنين والبنات…
(يالمراغنه أنا زول عقيدة،،،،ريدتي في أهل الله شديدة،،،،شادية عين زول ما تصيدة،،،،،فوق بنيتها فوق وليده…الخ)، وغيرها من الروائع التي سارت بذكرها الركبان،(مروي من عسوم للطريف،،،،مافي زولاً مو مشتهيك،،،،دارة تعمر والصف يقيف،،،،،مره مره الشّبال يجيك،،،،يالسائل عليّ حالي كيف،،،،شاهد الله أنا بسأل عليك)،،وتلك التي أظهر من خلالها، أسباب التحول التي حدثت في منطقته، بتوفير الضروري من الخدمات،(دقي يا نقاره دقي وعلِي صوتك يا طنابير،،،،غني للنور في بلدنا وغني للحنفيه في الزير) الخ، وقد ألبسها الراحل عثمان اليمني اثوابا من البهاء، وغيرها من كلمات و(رميات) ود العبيد التي غناها، بما يزيد عن سبعين أغنية، كل واحدة تتفوق علي الأخري، طرباً ولحناً وشعراً وأداءًا، عند اليمني، وغيره من المطربين، إدريس إبراهيم، عبد الرحمن الكرو، يوسف كرم الله،وغيرهم،،،،،بعد أن ارتفع(تيرمومتر) الحرب، وزاد عنفوانها، واشتد اوارها، هجر داره في (حطاب)، عائداً الي أرض الأجداد، يشجيه صوت القمري الحنون، ويشده لون الخدار، ويعجبه حال(التربال)، وتفاصيل حياته اليومية، مع (الشٌمارة) و(الطورية) و(الكارديق) و(التقنت) و(الحاحاية) و(البوغة) و(النوريق)…ظل ود العبيد، محباً لبلده، عاشقاً لترابه، يُمني نفسه بشروق الشمس من جديد، لينهض الوطن من كبوته، ويعود أقوي مما كان، كلما زرناه في داره، في مروي شرق، لايمل الحديث، عن تفاؤله، بتيسير الحال، ليحقق رغبته التي ما فتئت تراوده، أن يهبه الله (القدرة) و(المروة)، ليحمل (شادية) (ست الاسم)، الي أرض الكنانة، يبتغي لها العلاج، لكن الأقدار ارادت غير ذلك، رحلت (شادية) بعد تفاقم العلل، وأمراض السِقام، ولم تمضي أيام ثلاثة، علي رحيلها، حتي لحق بها ود العبيد ، لم تطب له الحياة بعدها، فآثر اللحاق بها علي عجلٍ، فقد ترافقا في الدنيا، لتكون، النهاية جواراً آمناً ، ومرقداً ابدياً، بين (ثلة) من الأهل والأخيار …
الفجيعة الثانية كانت رحيل الصديق، محمد سليمان سيداحمد عواض، الذي شق نعيه علي الكثيرين، من عارفي فضله، ونبل خصالة واصالة معدنه ، وصدق اخوته، ونقاء سريرته، إبتلاه الله في صحته، فكان صابراً محتسباً، لم يجزع ولم يتزعزع إيمانه بالله، رجلٌ الكرم شيمته، والوفاء ديدنه، كانت داره مفتوحة الأبواب، تمتلي بالاخلة والأصحاب، لم يمر علينا يوم، إلا نغشاه في الجيئةوالذهاب، فنجد عنده التقدير والإحترام، الذي إعتاد ان يحيط به خاصته من جلسائه المقربين، أحمد فلاح، الشاعر محجوب الحاج،عثمان حكومة، الفنان طارق النحاس، الشاعرمحمد آدم الكردفاني، الفنان زكي عبد الكريم، الشيخ الياس ابوعلامة، محمد عكاشه،المرحوم علي مصطفي الدكشنري، المرحوم د الجمري حامد، الفنان محمود علي الحاج، طارق حرزاوي وغيرهم من الفنانين والشعراء والمثقفين، والمهتمين، الذين لا تطيب مجالسهم، إلا بوجود عواض، فقد كان واسطة العِقد المحبوب، ….كانت له صلة تحكمها الاوآصر القوية، مع المرحوم الدكشنري، جمعهما منتدي واحد، كانت تقام لياليه في إتحاد فن الغناء الشعبي بامدرمان، فلما رحل الدكشنري في أكتوبر ٢٠١٧م، أصر عواض، أن يكون إسمه موجوداً، في (ترويسة) المنتدي، وكافة مستنداته الرسمية، فظل (منتدي الدكشنري وعواض)، منبراً من منابر الثقافة المهمة، عندما اندلعت الحرب، وتوقف كل شيء، حولّه عواض الي واحةٍ اسفيريةٍ علي تطبيق الواتساب، تجمع المئات من عشاق الثقافة، ومتابعي أنشطة الفنون….
قبل مجييء الي القاهرة في أكتوبر الماضي، إنصب حرصي كله، علي زيارته في دنقلا، بعد حضوره من القاهرة عقب العملية الجراحية،التي أفقدته، جزءًا مقدراً من قدمه اليمين، دخلت عليه في (بيت الدومة) في حي (مراغة) الشهير،كان يتملكني إحساس مشوب بتوجس غريب، كيف سأجد عواض، ليقابلني هذه المرة ، علي غير عادته، ممداً علي السرير، سرعان ما خاب حدثي، وطاشت توقعاتي، عندما إحتواني مرحباً بكلتا يدية، هاشاً مبتسماً، تسبقه ضحكته الداوية المجلجلة،(حبابك ياصديقي، أخوك خلاص إنضم الي شريحة المعاقين الحمد لله والشكر له علي ما أراد)…هكذا كان (عواض) لم تزده المحن والابتلاءات، إلا قوةً، تقربه من الله تعالي،،،، في ذلك اليوم الحزين، هاتفني الأخ، أحمد فلاح فجراً، بصوت متقطع، تخنقه العبرات، ليفضي اليّ موت عواض، الذي هزّ الدواخل، وزلزال الأركان، فجاء رحيله في يوم (الجمعة)، في شهر رجب الأغر، لعل ذلك يكون، من حسن الخواتيم،وعلامات السعادة… اللهم ارحم صديقينا، (ود العبيد، وعواض) وجازهما بالخيرات والإحسان، نودعهما، بما ودع به، الشاعر إسماعيل حسن، أمه(حدالزين) وشقيقته(جواهر) في مرثيته الشهيرة…(فراق واحد بكتل الزول،،،وكيف يا إخوانا انتو إتنين)…وسلام عليكما بين الخالدين…

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى