
مصر والسودان.. شريان واحد يروي تاريخاً مشتركاً ومستقبلاً واعداً
د. حيدر البدري.. يكتب.. في نقطة سطر جديد..
تظل العلاقات المصرية السودانية نموذجاً فريداً للتفاعل الإقليمي في القارة الإفريقية، إذ تعود جذورها إلى عصور ما قبل التاريخ، حين شكَّل وادي النيل إطاراً جغرافياً وحضارياً موحداً جمع بين شعوب ضفتيه. ومنذ ذلك الحين، والبلدان يرتبطان بروابط متينة قائمة على التداخل الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، عزَّزتها وحدة اللغة والدين وتشابه العادات والتقاليد.
تُوصف العلاقات بين مصر والسودان بأنها علاقات أزلية وتاريخية، حيث تعود إلى عصر الدولة الفرعونية القديمة والوسطى والحديثة، ثم الحكم اليوناني عام 332 قبل الميلاد، فالبطلمي، ثم الحكم الروماني عام 30 قبل الميلاد، حين مدت مصر القديمة صلاتها وتفاعلها السياسي والحضاري إلى المناطق الجغرافية الجنوبية.
مرت العلاقات المصرية السودانية بمرحلتين رئيسيتين: مرحلة ما قبل انفصال السودان عن مصر، حيث كانت البلدان دولة واحدة منذ عام 1820 وحتى استقلال السودان في عام 1956، ومرحلة ما بعد الانفصال. والمتتبع لتاريخ البلدين يجد أنهما عاشا تاريخاً مشتركاً منذ أقدم الأزمنة وحتى العصر الحالي، إلى الدرجة التي يتعذر معها الحديث عن تاريخ مستقل لكل منهما.
في العهد الروماني، دخلت المسيحية إلى المناطق السودانية على أيدي الأقباط الفارين من الاضطهاد، ثم جاء الفتح الإسلامي لمصر على يد عمرو بن العاص عام 640 ميلادية، ليمتد بعدها المسلمون نحو الجنوب وتقوم ممالك إسلامية في تلك المناطق.
تتميز العلاقة بين مصر والسودان بالارتباط والجوار الجغرافي والتاريخ المشترك، والتمازج العرقي، ومشترك اللغة العربية والثقافة، ومن ثم المصالح المشتركة. وقد شكَّل السودان في الحسابات المصرية ملفاً خارجياً غير عادي، كما لم تكن مصر بالنسبة للسودان مجرد دولة جوار، بل شريكاً استراتيجياً يرتبط معه بمصالح حيوية.
ويتميز التعاون التعليمي والثقافي بين البلدين بعُمْق تاريخي يعكس الترابط الحضاري المشترك لشعبي وادي النيل، حيث يشمل برامج تبادل طلابي وأكاديمي تعزز هذا التواصل المتجذر.
على الصعيد الاقتصادي، تشهد العلاقات بين البلدين تطوراً ملحوظاً. فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر والسودان نحو 1.1 مليار دولار خلال عام 2025، كما بلغ حجم الاستثمارات السودانية في مصر نحو 79 مليون دولار خلال عام 2024، محققاً معدل نمو قدره 39% مقارنة بالعام السابق، من خلال أكثر من 3,320 شركة سودانية عاملة في السوق المصري.
وفي خطوة تعكس متانة العلاقات، اتفقت مصر والسودان على منح الأولوية للشركات المصرية في مشروعات إعادة الإعمار بالسودان، كما تعهد الجانب المصري بتقديم الدعم الفني لإعادة تشغيل المصانع السودانية المتضررة من الحرب، والبدء في تدريب كوادر الجمارك السودانية.
واتفق البلدان على حزمة من الإجراءات والبرامج التنفيذية لتعزيز التكامل بينهما في مختلف القطاعات، تشمل تشكيل فريق عمل فني لتعزيز التبادل التجاري، وتحديد أولويات التجارة السلعية، والتنسيق للسماح بزيادة عدد الشاحنات والحافلات المارة عبر المعابر الحدودية، وحشد التمويل لإنشاء مناطق لوجستية على الحدود بين البلدين.
وفي فبراير 2026، عقد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء المصري، والبروفيسور كامل إدريس، رئيس مجلس الوزراء الانتقالي للسودان، لقاءً في القاهرة تناول سبل تعزيز العلاقات الثنائية والتشاور حول القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك. وأكدا على عمق الروابط التي تجمع الشعبين الشقيقين، وحرص قيادتي البلدين على تعزيز التعاون والتنسيق المستمر.
يُعد ملف نهر النيل أحد أبرز محاور التنسيق المشترك بين مصر والسودان. ففي ظل أزمة سد النهضة الإثيوبي، صعَّد البلدان تنسيقهما ضد التشغيل الأحادي للسد، وسط اتهامات لأديس أبابا بغياب الالتزام وتسببها بأضرار مائية. وأكدت القمة المصرية السودانية التي عُقدت في فبراير 2026 على ضرورة حماية الأمن المائي لمصر والسودان باعتبارهما دولتي مصب نهر النيل، والعمل المشترك للحفاظ على حقوق واستخدامات البلدين المائية كاملة وفقاً لاتفاقية عام 1959 والقانون الدولي.
أكدت مصر مراراً دعمها الثابت لوحدة السودان وسلامة أراضيه والحفاظ على سيادته ومؤسساته الوطنية. وجددت القاهرة دعمها الكامل لحكومة السودان، وكافة المساعي الرامية للحفاظ على مؤسساته الوطنية، ورفض أي تهديد لوحدة السودان وسلامة أراضيه، والوقوف إلى جانب تطلعات الشعب السوداني في التقدم والازدهار وتحقيق أهدافه في إعادة الإعمار والتنمية.
وشدَّدت مصر على الخطوط الحمراء التي حددتها القيادة السياسية، ودعمها الكامل لوحدة السودان وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية، مؤكدة على أهمية تمكين مؤسسات الدولة السودانية من الاضطلاع بدورها الكامل، ودعم جهود الحكومة السودانية في بسط سلطة الدولة واستعادة مظاهر الحياة الطبيعية
مع استمرار التنسيق رفيع المستوى بين البلدين، تتجه العلاقات المصرية السودانية نحو آفاق أرحب من التعاون والتكامل، لتبقى شاهداً حياً على أن الجغرافيا المشتركة والتاريخ الواحد والثقافة المتجانسة قادرة على رسم مستقبل أكثر إشراقاً لشعبي وادي النيل.
نقطة سطر جديد.