
من رحاب مكة إلى طيبة… رحلة إيمانية وتأملات في دروب العُمّار كتب: محمد عثمان الرضي
من رحاب مكة إلى طيبة… رحلة إيمانية وتأملات في دروب العُمّار
كتب: محمد عثمان الرضي
غادرتُ صباح الأربعاء الرابع من مارس 2026، الموافق الخامس عشر من شهر رمضان المبارك، مكة المكرمة متوجهاً براً إلى المدينة المنورة، في رحلة تمتد لنحو 450 كيلومتراً، تقطعها الحافلات والسيارات في قرابة أربع ساعات، عبر طريق يشهد على تواصل القاصدين بين الحرمين الشريفين.
الرحلة البرية بين المدينتين المقدستين تظل تجربة خاصة، يتداخل فيها الشوق الروحي مع سكينة الصحراء الممتدة، ويشعر المسافر خلالها بأنه ينتقل من رحاب البيت العتيق إلى رحاب المصطفى صلى الله عليه وسلم، في مسار يجمع بين الخشوع والتأمل.
سائق المركبة التي أقلّتنا كان باكستاني الجنسية، ورغم صعوبة التواصل معه باللغة العربية، إلا أنه أدار الرحلة بانضباط واضح، مستهلاً تحركه بطلب إبراز تأشيرات الدخول وتصويرها عبر هاتفه المحمول، في إجراء احترازي يعكس حرص شركات النقل على الالتزام بالأنظمة.
بلغت قيمة الأجرة خمسين ريالاً سعودياً للراكب الواحد، وهي تكلفة معقولة قياساً بالمسافة والزمن المستغرق، إذ استغرقت الرحلة أربع ساعات كاملة، ضمت ثلاثة سودانيين إلى جانب ركاب من جنسيات متعددة، في مشهد يعكس عالمية المقصد ووحدة الغاية.
رافقتني في هذه الرحلة كوكبة من أبناء مدينة كسلا، يتقدمهم الشاب القيادي المجتمعي ياسر قدم، ورجل الأعمال الشاب إسماعيل آدم علي، الذي ينشط في تجارة الحدود بين السودان وإثيوبيا عبر معبر القلابات، الرابط الحيوي بين البلدين.
إسماعيل، المولود عام 1996 بحي السواقي الجنوبية، أحد أعرق أحياء مدينة كسلا، يمثل نموذجاً مشرفاً للشباب السوداني الطموح، إذ يجمع بين روح المبادرة والالتزام المجتمعي.
ابتسامته الوضيئة لا تفارقه، وكرمه الحاتمي يسبق خطواته، حتى لتشعر أن الرحلة بحضوره تكتسب دفئاً خاصاً ومعنى إضافياً.
هو من أولئك الذين يجدون متعتهم في خدمة الآخرين والسعي لقضاء حوائجهم، ولا يكاد يعرف لكلمة “لا” سبيلاً، في سلوك يعكس أصالة البيئة التي نشأ فيها وقيمها المتوارثة.
خلال فترة إقامتي في مكة المكرمة، وترددي اليومي على المسجد الحرام، لفت انتباهي ضعف الحضور السوداني مقارنة بجنسيات أخرى ملأت ساحات الحرم، وهو أمر يثير تساؤلات مشروعة حول أعداد التأشيرات أو ترتيبات السفر هذا الموسم.
ورغم ذلك، يظل الأمل معقوداً على حضور سوداني لافت في المدينة المنورة، لما تمثله من رمزية روحية خاصة في وجدان السودانيين، وارتباطهم العميق بمقام سيد الخلق عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
حظيت خلال تنقلاتي باهتمام ومتابعة لصيقة من القنصل العام في جدة السفير كمال علي عثمان، الذي ظل يتواصل للاطمئنان على صحتي منذ مغادرتي جدة إلى مكة وحتى التوجه إلى المدينة، في لفتة تعكس حساً مسؤولاً واهتماماً بأبناء الجالية.
كما يواصل الملحق الإداري المقيم لبعثة الحج والعمرة بالمملكة العربية السعودية، الدكتور عبدالعزيز الصادق، جهوده المتواصلة، مرابطاً في مكتبه على مدار الساعة، استعداداً مبكراً لموسم الحج القادم، في عمل تنظيمي يتطلب دقة وتفانياً.
وكان من بين أبرز محطات هذه الرحلة لقائي الأول بوزير الشؤون الدينية والأوقاف مولانا بشير هارون في الأراضي المقدسة، حيث دار بيننا نقاش مطول حول ترتيبات الحجاج السودانيين لهذا العام، والتحديات المرتبطة بتيسير الخدمات وضمان انسياب الإجراءات.
كما أتيحت لي فرصة زيارة مقر بعثة الحج والعمرة بمكة المكرمة في حي النسيم، وهي زيارة مثمرة التقيت خلالها بالأمين العام للمجلس الأعلى للحج والعمرة الأستاذ عمر مصطفى، الذي تدرج في مواقع العمل حتى نال شرف هذا المنصب، في مسيرة تعكس خبرة تراكمية وإلماماً بتفاصيل الملف.
العمل المؤسسي في خدمة الحجاج والمعتمرين يظل مسؤولية وطنية وأخلاقية كبرى، تتطلب تكاتف الجهود الرسمية والمجتمعية، حتى يؤدي السودانيون شعائرهم في أجواء من الطمأنينة واليسر.
وهكذا تمضي الرحلة من مكة إلى المدينة، لا بوصفها انتقالاً جغرافياً فحسب، بل باعتبارها مساراً روحياً تتجدد فيه المعاني، وتتعزز فيه الروابط، وتُستعاد فيه قيم التضامن والتآخي بين أبناء الوطن الواحد وهم في حضرة أقدس البقاع.