
تأملات
جمال عنقرة
عندما دعاني الابن الحبيب الاستاذ واثب الطيب قسم السيد للمشاركة في ندوة عن ذكري يوم التاسع عشر من شهر ديسمبر عام ١٩٥٥م تنظمها اذاعة بلادي، صحبة العزيزين الشقيق العزيز الاستاذ معتز الفحل، والأستاذ الجليل الدكتور زكريا الرشيد، ويديرها الاستاذ محمد الشفاء، لم أفكر في غير ما يخطر ببالي كل عام وانا ادعي للمشاركة في مثل هذه الندوة في ذات التاريخ في منابر مختلفة بأشكال متعددة، فلم يخطر ببالي غير ان المقترح تقدم به الناظر عبد الرحمن دبكة نائب حزب الأمة عن دائرة عد الفرسان في نيالا، وثناه الشيخ مشاور جمعة سهل نائب الحزب الاتحادي عن دائرة بارا بشمال كردفان، وبقية القصة والدلالات المعروفة.
ولما بدأ الشقيق الفحل الحديث بتحية عطرة للمناسبة العظيمة، وبدا حديثه بتلك المسلمات التي لا يمكن لاحد تجاوزها، حتى جال بخاطري سؤال ملح، أين هو السودان الذي اعلن استقلاله من داخل البرلمان في ذاك اليوم، وكانت مساحته مليون ميل مربع، وكانت جوبا احدي عواصمه العزيزة، وكنا نغني لمسافر جوبا، ونوصيه بزيارة جبل لادو وكل الصبا، وكان منقو زمبيزي احد مواطنيه، وكان الطلاب في عطلاتهم الصيفية يشدون الرحال إلى نيالا البحير قاصدين جبل مرة (الشمخ جاب مناخ لبنان) وكان وكان وكان.
فتوقفت عن الحديث الذي كان يجول بخاطري، وبدات اسأل نفسي واتساءل، هل هذا هو السودان الذي كان يحلم به الآباء المؤسسون الذين اعلنوا استقلاله من داخل البرلمان يوم ١٩ ديسمبر، ثم رفعوا علم استقلاله في الأول من يناير عام ١٩٥٦م، وتغنوا (اليوم نرفع راية استقلالنا)
ان الوضع الان لا أقول يدعو إلى الحسرة والندامة، فلا تنفع حسرة ولا ندامة مع الضياع، ولكن يجب علينا ان نقف ونفكر ونتأمل مليا، كيف (نقرع الواقفات) اولا ثم نبحث عن استرداد الذي ضاع (وليس ذلك علي الله بعزيز) ولكن وكما قال اهلنا في دارفور (شوكاي يسلو بي دربو) ومثلما لا تنفع الحسرة علي الذي ضاع، لا ادري ماذا يمكن ان نسمي الاحتفال بذكري مولود في غرفة العناية المكثفة، فهذا يحتاج إلى إنعاش وأكسجين وصدمات كهربائية، ولا يحتاج إلى حلويات وخبائز.
واحدة من مشكلاتنا الكبيرة أننا لم ننتبه إلى أجراس الإنذار التي ظلت تقرع مرارا وتكرارا، نواصل الاحتفالات وندبح الدبائح، ولا نلتفت للوطن وهو يذبح، ونسمي الأشياء بغير اسمائها الحقيقة، فظللنا نحتفل سنويا بذكري إعلان الاستقلال في ديسمبر ٥٥ ولم ننتبه إلى الحرب التي نشبت لأول مرة في الجنوب في اغسطس ذات العام ٥٥، ولم نقف عند حركات دارفور التي ناهضت المركز، ولا الكتاب الأسود، ولم نتساءل لماذا حمل الشهيد داود بولاد السلاح علي حكومة الخرطوم التي يقودها اخوانه الذين كانوا يفخرون بمجاهداته، وتتصدر صوره (اصلب العناصر لأصعب المواقف) ولماذا لحق به أمير المجاهدين الشهيد خليل إبراهيم، ولم يسأل احد او يتساءل لماذا قدم هؤلاء مظالم اهلهم علي اخوة التنظيم، ولماذا اتفق اسلاميون مع يساريين، مع مسيحيين، مع وثنيين علي حمل السلاح ضد حكومة المركز.
هذه بعض اسئلة لم اطرحها لأجد اجابة عليها، ولكن لأقول يجب علينا ان نلتفت إلى الماضي بنظرة مختلفة، وننظر لحاضرنا بوعي من اجل ان نضع أساس متين لمستقبل بلد يسعد فيه ابناؤنا، وطن الحق والواجب، وطن الحريات والمسؤوليات، وطن يعيشون فيه سواسية كاسنان المشط، لا عزل فيه ولا اقصاء، ولا تمييز ولا تفضيل لأحد إلا بجزيل عطائه وصدق انتمائه.