التقارير

من وحي التحرير..

الجزيرة.. عام من (الإنعتاق)..!

———-

تقرير / هاشم عبد الفتاح

قبل عام كانت ولاية الجزيرة تحت وطأة المليشيا (الفاسدة) المتمردة تتجرع كل ويلات الأسى والحزن تنهب وتقتل.. وتغتصب.. وتخرّب..وتستباح بنياتها التحتية بشكل ممنهج، في معظم المحليات، ولم تسلم من ذلك سوى محليتي المناقل والقرشي، وقتها لم تستطع حكومة الولاية مباشرة مهامها كاملة او التحرك إلا في حدود (25) فقط وهى المساحة الآمنة ما بين القرشى والمناقل..فكانت مكسورة الخاطر..

تحسر الشعب السوداني كثيراً على (سقوط) مدني في أيدي هؤلاء الاوباش.. ولم يكن من خيار أمام الشعب السوداني وأمام الجيش وحكومته من سبيل لرد كرامة الجزيرة إلا (بتحريرها) من قبضة المليشيا، فكانت كل الأنظار تتجه صوب (المتحركات العسكرية).. كيف يتم التحرير.. الكل لا يدري ؟

.. كيف تعود مدينة مدني الي حضن الدولة.. تساؤلات كثيرة كانت تتحدث بها مجالس المدينة.. لكن وضح تماما ان للجيش لغته وتكتيكاته وخططه وادبه العسكري (الخاص) الذي ربما لايعلم حقيقته إلا رفقاء الكاكي والكلاش..

ومن الاقدار ان محلية المناقل التي كانت ولازالت تتعالى فيها الأصوات المطالبة بترفيع المحلية الي ولاية ولكنها اضحت وفي ظل حرب الكرامة مدينة بحجم (ولاية) تدار منها كل شؤون المحليات باعتبارها (العاصمة الإدارية) ..

وقدرت القيادة العسكرية وقتها ان تكون المناقل هى (رأس الرمح) في تحرير الولاية وبقية ولايات السودان الأخرى. .

وكنا كمجموعة من الصحفيين متحركين من المناقل في صباح يوم التحرير في مهمة صحفية بمرافقة وفد كبير متوجهاً الي منطقة الحاج عبد الله برئاسة السيد والي الجزيرة الأستاذ الطاهر إبراهيم وأعضاء اللجنة الأمنية ومحافظ مشروع الجزيرة وقيادات عسكرية من المتحرك الغربي.. وكانت المهمة تقديم يد العون الإنساني لمواطني قرى الحاج عبد الله بعد (طرد) المليشيا من هناك وبعد أن مارست كل أصناف التعذيب والتخريب والتدمير في كل شي.

لم يكن التحرك من المناقل وحتى الحاج عبدالله في ذلك اليوم (ميسورا). ، فكل خطوة لهذا الوفد في اتجاه الحاج عبد الله كانت (محفوفة المخاطر) والمشاق ، ويبدو ان مهمة هذا الوفد كانت مذدوجة او بالأحرى متعددة المهام، فكان من الضروري تأمين مسارات التحرك من بقايا المليشيا والخلايا النائمة، وفحص الطريق من الألغام، وكانت حكومة الطاهر إبراهيم وبالتنسيق والمشاركة مع إدارة مشروع الجزيرة تبحث عن معالجات اسعافية لضخ المياه في (المياجر) وقنوات الري حتى تصل المياه الي تلك القرى التي انقطعت عنها المياه واصابها العطش (والرهق) بسبب التخريب الذي طال كل القنوات، ولكن وبفضل هذا التحرك تم تأمين انسياب المياه في قنطرة (57) في ذلك اليوم.

كل المعطيات هناك كانت تشير بوضوح الي أن هناك عزيمة وارادة قوية من الجيش وبالاخص متحرك سنار، وتبين لنا ان كل القوات في كامل استعدادها (للانقضاض) على كل مواقع تواجد المليشيا المنتشرة على طول الطريق من (الشكابة) وحتى مارنجان وكبري البوليس.،

ومن الملاحظات التي رصدناها ذلك اليوم ان كل القوات التابعة للجيش كانت في نشاط وحركة دؤوبة ومنشغلة باخلاء معسكراتها وارتكازاتها ومواقعها الأساسية، لتجهيز عملية التحرير حيث صدرت الأوامر العسكرية للتقدم ناحية مدني وضاق الخناق على المليشيا .

ولكن وقبل ان يكمل السيد والي الجزيرة ووفده الرسمي زيارته التفقدية لمحطة كهرباء الحاج عبد الله.. انطلقت البشرى بين أعضاء الوفد بأن متحرك (الفاو) عبر كوبري حنتوب (وتوغل) داخل مدني، فيما عبر أيضا متحرك المناقل منطقة كبرى البوليس..

إنطلقت الأفراح وزغاريد النساء وعلت أصوات التهليل والتكبير.. خرجت القرى عن بكرة ابيها في فرح (هستيري) واصطفت على طول الطريق الرئيسي من سنار من الحاج عبد الله وحتى مدني..

لم يتردد السيد والي الجزيرة في أن يقطع زيارته الى الحاج عبد الله ويتوجه بكل وفده الرسمي تجاه مدني، رغم ان القوات المسلحة لازالت تطارد بقايا المليشيا (الهاربة) أو (المختبية) بين الأشجار وداخل البيوت عبر عمليات تمشيط واسعة، بل أن بعض دفاعات المليشيا في مناطق الشكابة ومارنجان كانت تطلق نيرانها بكثافة في اتجاه قوات متحرك سنار، وبالطبع في اتجاه وفد حكومة الولاية الأمر الذي أحدث حالة من الارباك في حركة وفد الوالي.

ولكننا شاهدنا صمودا حقيقيا.. وجسارة وارادة قوية على مستوى الجيش، ووفد السيد والي الجزيرة من أجل الوصول الي تلك المدينة (المغتصبة) وتحريرها تماما من هؤلاء الاوباش.. تفاصيل كثيرة.. ومشاهد مختلفة، اتفقت جميعها على أن يكون هذا اليوم هو بمثابة يوم (الجلاء) للمليشيا وآخر أيامها في أرض المحنة.

كانت المعركة الحاسمة في كبري البوليس.. وفيها سجل التاريخ بطولات ستظل (محفورة) في الوجدان السوداني.. بعد أن هلكت معظم قوات المليشيا.. كما ليس صحيحا أنها انسحبت، ولكنها (هُلكت) تماما ومن سلم منها اطلق ساقيه للريح.. ومن هنا من كبري البوليس تم أعلان التحرير الكامل للجزيرة حيث اجتمعت كل المتحركات بشكل تلقائي …في محطة كبرى البوليس، ومن هناك سلك السيد والي الجزيرة ووفده الرسمي وطاقمه الحكومي شارع النيل والتوجه الي مقر الأمانة العامة لحكومة الولاية.. حيث مكتب الوالي ومن هناك أعلن الوالي تدشين مهام الحكومة مخاطبة جماهير الولاية بإعلان التحرير.. والبدء في مرحلة البناء والتعمير.. وإعادة الترميم.. والاعلان عن نهاية أسوأ مرحلة مظلمة عاشتها ولاية الجزيرة.. فتلاشت المليشيا الي الأبد..

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى