
ماذا يجري في جنوب السودان؟ محمد أحمد شبشة
ماذا يجري في جنوب السودان؟
محمد أحمد شبشة
يختبر جنوب السودان لحظة شديدة الحرج، بين شبح الانفجار وإدارة الأزمة، بين الانتخابات المؤجلة وصراع النفوذ في دولة لم تخرج من الحرب. لحظة تتقاطع فيها البنادق مع صناديق الاقتراع وتختلط فيها لغة الحوار السياسي بنذر التصعيد العسكري.
اليوم،يقف جنوب السودان مجددًا على حافة مفترق مصيري، فبينما أعلن الرئيس سلفا كير عزمه إطلاق حوار سياسي حول الانتخابات المرتقبة، كانت الاتهامات تتصاعد في الميدان بشأن تحريض قبلي وتحركات عسكرية تهدد بإعادة البلاد إلى مربع الصراع المفتوح. الدعوة إلى الحوار، التي جاءت وسط تعثر تنفيذ اتفاق السلام وتفاقم الانقسامات داخل النخبة الحاكمة، بدت لكثيرين محاولة لاحتواء ضغوط داخلية وخارجية أكثر منها خطوة جدية نحو تسوية وطنية شاملة، فالمشهد العام يشير إلى دولة لم تستكمل بناء مؤسساتها ولا تزال تعيش على إيقاع التوازنات القسرية بين السلاح والسياسة وبين التوافق الهش والإقصاء المنهجي. في هذا السياق، تتجاوز الأزمة مجرد خلاف حول موعد الانتخابات لتتحول إلى اختبار حاسم لقدرة جنوب السودان على البقاء كدولة موحدة أو الانزلاق مجددًا إلى صراع متعدد المستويات تغذّيه الهويات والانقسامات والتدخلات الخارجية. شهدت ولايتا جونقلي وأعالي النيل خلال الأسابيع الأخيرة تصعيدًا لافتًا تمثل في اتهامات مباشرة من الحركة الشعبية لتحرير السودان – المعارضة لقيادة الجيش باستخدام خطاب تعبوي ذي طابع قبلي، واتهمت الحركة رئيس هيئة أركان الجيش الفريق بول نانق باللجوء إلى استدعاء أحداث 1991 و2013 خلال خطاب علني في ما اعتبرته محاولة لتحشيد مجتمع بور ضد قوات المعارضة وإعادة إنتاج خطاب الاستقطاب الإثني الذي غذّى الحروب السابقة، كما تحدثت المعارضة عن عمليات قصف وتحركات عسكرية طالت مناطق مدنية في جونقلي وأعالي النيل وسط غياب رد رسمي من قيادة الجيش، وهو ما عزز المخاوف من انزلاق الوضع إلى مواجهة واسعة النطاق، خاصة في ظل هشاشة الترتيبات الأمنية وغياب جيش وطني موحد فعليًا، وتكمن خطورة هذا التصعيد في أنه لا يجري بمعزل عن السياق السياسي بل يتقاطع معه مباشرة حيث يُنظر إلى التحركات العسكرية باعتبارها أدوات ضغط في معركة النفوذ المقبلة سواء داخل الحكومة أو في مرحلة ما بعد الانتخابات. بالتوازي مع هذا التصعيد أعلن الرئيس سلفا كير عزمه تشكيل لجنة للحوار بين أطراف اتفاق السلام لمناقشة القضايا المرتبطة بالانتخابات المقررة في ديسمبر 2026، غير أن هذه المبادرة وُلدت محاطة بإشكالات جوهرية أبرزها استبعاد فصيل رياك مشار الشريك الأساسي في اتفاق 2018 والذي لا يزال قيد الإقامة الجبرية، وتوجيه الدعوات إلى أطراف موالية للحكومة ما أثار شكوكًا حول حيادية الحوار، وفصل الانتخابات عن الاستحقاقات الدستورية والأمنية بما في ذلك التعداد السكاني وتوحيد القوات، ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تمثل محاولة لإعادة هندسة المشهد السياسي بما يضمن استمرار النخبة الحاكمة بدلًا من معالجة جذور الأزمة المرتبطة بتقاسم السلطة وبناء الدولة، وقد حذّرت منظمات مدنية من أن أي انتخابات تُجرى في ظل استمرار العنف وغياب التوافق ستفتقر إلى الشرعية وقد تتحول إلى شرارة صراع جديد بدل أن تكون مخرجًا منه. نظريًا تُعد انتخابات ديسمبر 2026 محطة مفصلية في مسار الانتقال السياسي، لكن عمليًا تبدو شروط إجرائها شبه غائبة، لم يتم توحيد القوات المسلحة ولم يُنجز الدستور الدائم ولم يُستكمل السجل السكاني أو الانتخابي ومناطق واسعة لا تزال خارج السيطرة الكاملة للدولة والنزوح الداخلي يحد من إمكانية مشاركة واسعة، وفي هذا السياق تتحول الانتخابات من أداة انتقال ديمقراطي إلى ورقة سياسية تُستخدم لتعزيز الأمر الواقع أو لتصفية الخصوم تحت غطاء الشرعية الانتخابية. لا يمكن فصل المشهد الداخلي عن التأثيرات الإقليمية والدولية إذ تلعب عدة أطراف أدوارًا غير معلنة في توجيه مسار الأزمة، دول إقليمية تسعى للحفاظ على الاستقرار الشكلي خشية امتداد الفوضى وفاعلون دوليون يضغطون لإجراء الانتخابات كمدخل للاستقرار ولو على حساب المعايير الديمقراطية ووساطات متباينة تفتقر إلى التنسيق ما يضعف فعاليتها، وهذه التدخلات بدل أن توحّد المسار ساهمت في خلق مساحات رمادية تستغلها الأطراف المحلية لتعزيز مواقعها لا لحل الأزمة، وإجراء الانتخابات في موعدها دون استكمال الشروط الفنية والأمنية يؤدي إلى تشكيك واسع في النتائج ورفض المعارضة واحتمال اندلاع مواجهات مسلحة لاحقًا، في حين يمثل تأجيل الانتخابات تحت ذريعة عدم الجاهزية مع تمديد الأمر الواقع السيناريو الأرجح في ظل المعطيات الحالية، أما فشل الحوار وتصاعد الاستقطاب القبلي وتوسع المواجهات في جونقلي وأعالي النيل فيعيد البلاد إلى دائرة الحرب منخفضة الحدة. ما يجري في جنوب السودان اليوم ليس مجرد أزمة انتخابات بل أزمة دولة لم تُستكمل بعد، فبين سلاح لم يُدمج وسلطة لم تُفوض شعبيًا ونخبة سياسية تدير التوازنات بدل حلّها يبدو المستقبل معلقًا على قرارات لم تُتخذ بعد، إن تحويل الحوار إلى أداة إقصاء والانتخابات إلى غطاء سياسي سيقود حتمًا إلى إعادة إنتاج الصراع بصيغة أكثر تعقيدًا، أما الخروج من النفق فيتطلب شجاعة سياسية حقيقية شمولًا لا إقصاء إصلاحًا لا مناورة وبناء دولة لا إدارة أزمة، وحتى ذلك الحين سيظل جنوب السودان واقفًا عند حافة السؤال الأصعب، هل يتجه نحو استقرار متأخر أم نحو حرب مؤجلة.