
من عمق المشهد | د. ست البنات حسن أحمد إعادة تدوير الركود: الجالية في مصر أمام ولاية ثانية بلا رصيد
من عمق المشهد |
د. ست البنات حسن أحمد
إعادة تدوير الركود: الجالية في مصر أمام ولاية ثانية بلا رصيد
انطوت صفحة الاستحقاق الانتخابي للجالية السودانية في جمهورية مصر العربية، وأُسدِل الستار على مسرح التنافس؛ بيد أن النتائج لم تحمل معها أدنى نسائم للتغيير الذي انتظرته الملايين المنهكة من المقيمين والوافدين الجدد. فبينما كانت العيون شاخصة نحو فرصة تاريخية لضخ دماء كفؤة، تقود الدفة في ظرف استثنائي هو الأعقد في تاريخ الوجود السوداني بالخارج، أسفرت المشاهد عن مشهد درامي مكرر: إعادة تنصيب الطاقم القديم الرئيس نفسه، وبمعيته طاقم مكتبه القديم كاملاً، في خطوة لا يمكن توصيفها في ميزان العمل العام الرشيد إلا بوصفها «إعادة تدوير للأزمة، وهندسة معلنة لتكريس الركود».
لم يكن هذا الفوز مفاجئاً للمتابع العليم بخفايا وكواليس العمل الأهلي في الشقيقة مصر ؛ فالأمر لم يكن سباقاً حرّاً بين برامج ورؤى، ومرشح آخر بل كان إخراجاً متقناً لسيناريو عكفت عليه الدوائر المغلقة، لتثبيت أقدام نخب استمرأت البقاء في الواجهة بصرف النظر عن حجم الإنجاز على الأرض.
أولاً: هندسة المشهد.. حين تصادر «التربيطات» إرادة القواعد
لقد عكست المعركة الانتخابية الأخيرة عجزاً مزمناً في الثقافة التنظيمية؛ حيث انتصرت حسابات الغرف المغلقة على تطلعات الجالية العريضة ، عبر أدوات تم تمريرها بدهاء تنظيمي مكشوف:
– التربيطات المسبقة وهندسة الأصوات: الاعتماد الفج على شبكات االتحالفات داخل الجمعية العمومية لضمان كتلة تصويتية مضمونة، جرى حشدها على قاعدة “تبادل المنافع والتطمين المتبادل”للمقاعد ، بعيداً عن أي مساءلة عن حصاد الدورة المنصرمة.
– الاحتكار الإجرائي وتفصيل اللوائح: إدارة العملية الانتخابية ومفاصل إقصاء عدد كبير ممن شاركوا في الجمعية العمومية السابقة بطريقة تُفرغ التنافس من روحه، وتضع العراقيل أمام الكفاءات الأكاديمية والمهنية والوجوه الشابة المستقلة، بما يضمن سلفاً حسم النتيجة لصالح الحرس القديم..
ثانياً: البرنامج غير المكتوب.. استراتيجية “إطفاء الحرائق”
بعيداً عن الخطب والوعود الفضفاضة التي تُتلى في البرامج وتُنسى في المكاتب، يدرك أبناء الجالية أن هذا الطاقم العائد لا يحمل رؤية نهضوية؛ بل يتحرك وفق “أجندة غير مكتوبة” يمكن تلخيص ملامحها في الآتي:
* التشبث بالوجاهة وشرعية التمثيل الشكلي: حصر الهدف الأسمى في الاحتفاظ بصفة “الممثل الرسمي” أمام السفارة والجهات المصرية ؛ لاستثمار هذا الغطاء كأصل رمزي يخدم النفوذ الشخصي، دون أن يقابله أي جهد ميداني حقيقي يخفف من معاناة ملايين الوافدين.
– إدارة الحد الأدنى ومنطق المسكنات: تكريس سياسة “إطفاء الحرائق الفردية” والتدخل الإسعافي الاستعراضي أمام الكاميرات في حالات معزولة، مع الهروب المتعمد من المعالجة الجذرية للملفات الكبرى: رسوم المدارس المجحفة، مصائد سماسرة الإقامات، والافتقار لشبكة تأمين صحي تكافلية تحفظ كرامة المريض.
– تحصين الدائرة المغلقة وإقصاء الكفاءات: إحكام إغلاق أبواب المجلس أمام الكوادر الميدانية الحقيقية وشباب غرف الطوارئ والمبادرات الفاعلة؛ خشية أن يكشف حضورهم حجم الترهل الذي يُراد التغطية عليه.
ثالثاً: مأزق المشروعية.. الجالية اليوم ليست كالأمس
إن ما يغيب عن وعي المجلس الجديد هو أن الواقع الديمغرافي والإنساني قد تجاوزهم بسنوات ضوئية. فالجالية السودانية في مصر لم تعد ذلك النادي الاجتماعي الصغير محدود العدد، بل باتت أمة في المهجر تضم الملايين من أصحاب الوجعة والكفاءات الحية، الذين لا يمكن إدارتهم بأدوات الترضية البالية ولا بتوزيع الابتسامات في البرامج.
إن الفوز بالأصوات داخل قاعة محصورة قد يمنح شرعية إجرائية على الورق، لكنه أبداً لا يمنح «مشروعية الإنجاز والقبول الأخلاقي». والاستمرار في الاستعلاء على مطالب الناس، ومحاصرة العمل العام بعقلية الشللية، لن يفرز إلا مزيداً من العزلة والانكشاف؛ حيث ستتجه القواعد تلقائياً إلى نزع الثقة المعنوية عن هذا الكيان الصوري، والالتفاف حول المبادرات المستقلة، والتحالفات المدنية، والتكيات، وروابط المهنيين التي تلامس جراحهم وتتقاسم معهم رغيف الخبز وضنك العيش.
كلمة أخيرة.. في الميزان
لقد كسبتم معركة الصناديق بتكتيكات الأمس، لكنكم تقفون اليوم وجهاً لوجه أمام محكمة الواقع واستحقاقات المستقبل.
إن الشارع السوداني في مصر—الذي خرج من أتون الحرب محروماً ومثخناً بالجراح—لم يعد يملك ترف الصبر على ولايات عاجزة، ولا مساحة لتصديق وعود تُباع في الهواء. إنها ليست مجرد دورة نقابية جديدة؛ بل هي الفرصة الأخيرة للاستدراك: فإما أن يُحدث هذا المجلس قطيعة حاسمة مع عجزه القديم ويتحول إلى خادمٍ أمينٍ للناس ينزل إلى أزقة فيصل وعين شمس وأكتوبر متجرداً من كل وصاية، وإما أن يستعد لمواجهة السقوط الأخلاقي والمدني المدوي أمام وعي جماهيري لم يعد يقبل بأن تكون قضاياه ومصير أبنائه أداة للوجاهة والتكسب.
والأيام القادمة، لا خطب المنصات، هي التي ستكتب كلمة الفصل.. ونواصل.