غير مصنف

أزمة الحوار والنقاش بوسائل التواصل الإجتماعي

كتب د/ ياسر يوسف

كنت أعتقد إلى وقت قريب أن إنسداد الأفق والوصول لطريق مسدود في النقاشات يكون مرده ألى عدم التكافؤ في الفهم لفوارق ثقافية وتعليمية أو النقاش غير المجدي مع الفئات الملقنة التي تنتهج سلوك القطيع ( herd behavior ) وهؤلاء يتبنون آراء بعينها نتيجة للتحزب أو التمحور حول توجه فكري وأمثال هؤلاء الناس لا يمكن أن تقنعه مثلاً بأن الأرض دائرية طالما هو مؤمن بأن الأرض منبسطة ناهيك من أن تقنعه بأن سيده إرتكب بعض الأخطاء وله موقف مخزية فغالباً ما تصل معه لطريق مسدود إن لم يرمك بالكفر والسب واللّعن .
الأزمة التي تمر بها البلاد وتباين المواقف مع أو ضد الحرب أظهرت كثير من الحقائق وأولها أننا جميعاً بلا إستثناء نتمترس حول آرائنا ونضيق زرعاً بالرأي الآخر .
كما إننا نفتقر لأدب الحوار ومقارعة الحجة بالحجة فما أن يبدأ نقاش في أحد القروبات بنقل منشور أو كتابة بوست من مجموعة ( بل بس ) سرعان ما تتصدى له دفاعات مجموعة ( لا للحرب ) وتبدأ الملاسنات والمراشقات ثم يحتدم النقاش ويتحول للعب خشن بإتهام بالتواطؤ والتجريد من الوطنية وبذلك يتم خرق الهدنة المعلنة مسبقاً من بعض العقلاء بالمجموعة وكذلك يحدث العكس عندما تقوم مجموعة ( لا للحرب ) بمشاركة منشور أو مقال وهكذا ندور في ذلك النفق الضيق .
حسب تقديري المتواضع أن أزمة الحوار بين كل مكونات المجتمع مردها إلى ضعف مناهجنا الدراسية المبنية على حفظ والتلقين من الأساس إلى الجامعة وليس بها مساحة للحوار وطرح الآراء كما أن طبيعة التربية الأسرية في مجتمعنا تعتمد بشكل رئيسي على منهج السمع والطاعة فالآباء لا يستشيرون الأبناء في كثير من القرارات التي تهم الأسرة وإن حاول الإبن الإدلاء برأية في مسألة معينة قد يقابل ذلك بالعقاب والتوبيخ من قبل الأب أو يرمى بقلة الأدب وسوء التربية من قبل البقية .
لذلك نجد أن الشخصية السودانية هشه في تركيبها عاطفية للحد البعيد ولتغطية هذه النواقص الكبيرة يلجأ الفرد للعناد والتمترس حول رأيه ورفض كل الآراء المناوية له .

لإيجاد حلول لهذه المعضلة على الدى البعيد وللأجيال القادمة يجيب تطوير المناهج الدراسية لتصبح أكثر فعالية تساهم في بناء الشخصية المتصالحة القادرة على طرح الآراء والأفكار بقوة الحجة والمنطق وقبول الرأي الآخر بصدر رحب وإحترامه .
أما في الوضع الحالي دعونا نتفق جميعاً بأن ما يحدث الآن بالبلاد هي حرب ومأساة والخاسر الأكبر فيها هو المواطن والبنى التحتية للوطن ونسأل الله أن تنكشف الغمة ويعم الأمن والسلام كل ربوع الوطن .

علينا أن نصطحب قوة المنطق في نقاشنا لا منطق القوة فالمنشورات التي تشعر بأنك لا تملك الحجة للرد عليها أو تشعر بأنها مستفزة يمكنك تجاوزها ببساطة فلا أنت ولا صاحب المنشور يمكنكم تغيير الواقع الذي يتحكم فيه أناس آخرون.

يجب علينا أن نتفق أن أي حديث أو رأي يمثل صاحبه وقد يكون على صواب أو خطأ فقال الإمام مالك عليه رحمة الله : كل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلأ النبي صلى الله عليه وسلم.
وكان الإمام الشافعي أكثر أريحية في قبول الرأي الآخر حينما قال ( رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب )
وذات مرة إختلف الإمام الشافعي في مسألة ما أثناء إلقائه درساً مع تلميذه يونس بن عبد الأعلى فقام يونس غاضباً وترك الدرس وذهب إلى بيته ( بلغة اليوم غادر القروب ) فلما أقبل اللّيل : سمع يونس صوت طرق على الباب فلم يتوقع أن يكون بالباب الإمام الشافعي ، فقال الإمام الشافعي يا يونس أتجمعنا مئات المسائل وتفرقنا مسألة ؟!.
يا يونس : لا تحاول الإنتصار في كل الإختلافات فأحياناً كسب القلوب أولى من كسب المواقف .
يا يونس : لا تهدم الجسور التي بنيتها وعبرتها فربما تحتاجها للعودة يوماً ما .
يا يونس : إكره الخطأ دائماً ولا تكره المخطئ وأبغض بكل قلبك المعصية ولكن سامح وأرحم العاصي .

ختاماً نسأل الله أن يصلح حال بلادنا ويعم السلام وتنتهي هذه الحرب اللعينة .

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى