
أفكار لميس أدهم روح من الزمن الجميل
أفكار
لميس أدهم
روح من الزمن الجميل
كان الخيال عالمي الأول، وربما عالمي الحقيقي أيضا.
ذلك العالم الذي كنت أهرب إليه كلما ضاق الواقع بضجيجه وحداثته المسرعة، فأجد نفسي أميل تلقائيا لكل ما يحمل رائحة الزمن القديم، كأن روحي خُلقت في عصر آخر ثم جاءت إلى هنا بالخطأ.
أعشق الأشياء العتيقة بطريقة يصعب شرحها.
ليس لأنها قديمة فحسب، بل لأنها تبدو أكثر صدقا، أكثر دفئا، كأن الزمن حين يمر عليها لا يستهلكها بل يمنحها روحا إضافية.
ربما بدأ الأمر منذ المدرسة، منذ حصة التاريخ تحديدا.
كانت حصص التاريخ بالنسبة لي أشبه بنافذة سرية تُفتح على عوالم بعيدة، بينما كان الجميع يحفظ التواريخ والمعارك، كنت أنا أعيشها.
أتخيل المدن القديمة، أصوات الخيول في الطرقات الحجرية، رسائل العشاق التي تُكتب بالحبر، والمصابيح الخافتة التي كانت تنير ليالي البشر قبل الكهرباء.
كنت أخرج من الحصة وكأنني عدت للتو من سفر طويل عبر القرون.
والأدب القديم أيضا كنت أشعر نحوه بألفة غريبة، كأنه يشبهني بطريقة ما.
كنت أجد نفسي بين صفحات “الأيام” لطه حسين، وأتوه في اللغة الساحرة لجبران خليل جبران، وأشعر أن “موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح ليست مجرد رواية، بل مرآة عميقة للروح السودانية بكل تناقضاتها وحنينها وألمها الصامت.
وأحب قصائد المتنبي كأنها كُتبت بروح تعرف الكبرياء والوحدة جيدا.
أحب تلك اللغة الثقيلة قليلا، المليئة بالمعاني والصور، الكلمات التي لا تُقال بسرعة، بل تُرتشف ببطء كالقهوة في مساء شتوي.
كنت أقرأ النصوص القديمة وأشعر أن أصحابها يعرفونني، كأن بينهم وبيني معرفة قديمة لا أذكر بدايتها.
ولعل أكثر ما رسّخ هذا الحب داخلي كان جلوسي الطويل مع جدتي حاجة عائشة.
كنت أعشق تلك الساعات التي أحتمي فيها بصوتها، وهي تحكي عن أيام مضت وكأنها أساطير صغيرة.
كانت تحكي بتفاصيل تجعلني أرى كل شيء؛
البيوت القديمة، رائحة الخبز، النساء بثيابهن البسيطة، الأطفال الذين يركضون حفاة في الأزقة، والأفراح التي كانت تُقام بقلوب ممتلئة لا بأضواء كثيرة.
لم أكن أستمع فقط… كنت أعيش داخل الحكاية.
أحيانا كنت أنسى أنني أنتمي لهذا الزمن أصلا.
ولهذا أحب الكتب العتيقة بجنون يشبه الإدمان.
تلك الكتب الصغيرة ذات الصفحات المصفرّة، التي يبدو أنها نامت طويلًا فوق رفوف هادئة قبل أن تصل إليك.
أعشق رائحتها بطريقة لا يفهمها أحد، أرفعها أولاً إلى وجهي قبل أن أقرأها، كأنني أتعرف عليها عبر الرائحة قبل الكلمات.
وكنت دائما أجد ضالتي عند ذلك الرجل العجوز في المكتبة القديمة، الرجل الذي يشبه كتابا منسيا أكثر مما يشبه البشر.
كان يعرف تماما ماذا أريد دون أن أشرح كثيرا، يبتسم ابتسامة خافتة ثم يخرج لي كتابا يبدو وكأنه انتظرني سنوات.
أما الحقائب القديمة فكانت تؤثرني بطريقة غريبة،
خصوصا تلك الحقائب الحديدية الثقيلة التي تبدو وكأنها عبرت محطات وسفرا طويلا قبل أن تصل إلينا متعبة وصامتة.
كنت أنظر إليها دائما وكأنها لا تحمل أشياء عابرة، بل تحمل أعمارا كاملة مطوية داخلها.
كأن في زواياها رسائل قديمة، وصورا باهتة، ووداعات طويلة في محطات القطار، وأحلاما هاجرت مع أصحابها من مدينة إلى أخرى.
كانت تبدو لي كصناديق أسرار أكثر من كونها حقائب، وكنت أؤمن أن الكنوز الحقيقية ليست ذهبا ولا جواهر، بل تلك الحكايات التي تسكن الأشياء دون أن تنطق.
أما الطوابع البريدية وكروت التهنئة القديمة فكانت قصة أخرى تماما.
كنت أتأمل الطوابع الصغيرة بدهشة، كيف يمكن لقطعة ورق بهذا الحجم أن تسافر بين البلدان، وتحمل فوقها أثر الأصابع، وختم المدن، وانتظار البشر ولهفتهم.
كانت تبدو لي كأنها أجزاء صغيرة من العالم، أو شواهد صامتة على رسائل عبرت مسافات طويلة فقط لتصل إلى قلب أحدهم.
وكروت التهنئة القديمة تحديدا كان لها سحر مختلف؛
الخطوط اليدوية المرتبكة قليلا، العبارات البسيطة الصادقة، الورود الباهتة المرسومة على الأطراف، وحتى اصفرار الورق مع الزمن… كل شيء فيها كان يشعرني بأن المشاعر قديما كانت تُقال ببطء واهتمام أكبر.
لم تكن الكلمات تُرسل بضغطة زر ثم تختفي، بل كانت تُكتب بحب، وتُختار بعناية، ثم تبقى محفوظة لسنوات داخل الأدراج والكتب، كأنها جزء من الذاكرة نفسها.
والأسرة القديمة كذلك كان لها دفؤها الخاص،
كانت أكثر من مجرد مكان للنوم، كانت تحتويك كأنها تعرف تعبك جيدا.
تستلقي عليها فتشعر براحة غريبة، راحة هادئة تشبه حضنا قديما، فتنام قرير العين، وتصحو وكأن روحك وُلدت من جديد.
ربما لأن الأشياء القديمة كانت تُصنع بحب أكبر، أو لأن الزمن كان أبطأ، فكانت الراحة فيه أعمق والطمأنينة أكثر صدقا.
أما الراديو، ذلك الجهاز الذي يراه الجميع قديما، فكنت أراه سحريا.
أحبه أكثر من أي شاشة حديثة، لأن الصوت وحده كان يكفيني.
كنت أحب أن أسمع فقط، وأن أترك الباقي لخيالي.
المذيع لا يريك شيئا، بل يمنحك مساحة كاملة لتخلق عالمك بنفسك؛
شكل الشوارع، ملامح الأشخاص، لون السماء في الأغنية، وحتى الحزن… كنت أتخيله بطريقتي الخاصة.
كنت أستمع لصوت عمر الجزلي، ذلك الصوت المريح الذي يشبه جلسات المساء القديمة، وأشعر مع أصوات المذيعين القدامى أن للكلمة هيبة مختلفة لم تعد موجودة الآن.
ولعل أذني تعلّمت منذ وقت مبكر أن تنحاز لكل ما هو عميق وبعيد عن الصخب، لذلك كنت أذوب في الموسيقى الكلاسيكية وكأنها لغة سرية تخصني وحدي.
مقطوعات شوبان كانت تجعلني أشعر أن البيانو قادر على البكاء فعلاً، بينما كانت موسيقى فيفالدي تشبه الفصول وهي تمر داخل الروح، أما بيتهوفن فكان شيئاً آخر تماماً… كأن الألم نفسه تحوّل إلى خلود.
وفي الجهة الأخرى من القلب، كان صوت أبو داود ينساب بهدوء يشبه ليالي أم درمان القديمة، يزيد رنّة العود طراوة وعذوبة، حتى يصبح اللحن وكأنه خيط حنين طويل يلتف حول الروح برفق.
وكانت أغنيات عثمان حسين تمنح الحنين شكلاً وصوتاً لا يشبه أحدا.
كل هذه الاشياء كانت تنتشلني من الواقع تماما، وتأخذني إلى مكان هادئ لا يشبه هذا العالم، مكان لا ضجيج فيه سوى صوت الروح وهي تتنفس ببطء.
الراديو لم يكن جهازا بالنسبة لي، بل بابا صغيرا نحو عوالم لا يراها سواي.
وأحب الأسواق العتيقة كذلك، تلك الأماكن المزدحمة بالأشياء التي تبدو بلا قيمة عند الآخرين، لكنها بالنسبة لي تحمل أرواح أصحابها القدامى.
كنت أجد نفسي في سوق أم درمان، وسط الروائح المختلطة والأصوات القديمة والوجوه التي يشبه دفؤها الوطن نفسه.
وأمشي في السوق الإفرنجي وكأنني أعبر ذاكرة مدينة كاملة لا مجرد شارع.
أما بابا كوستا، بعراقته القديمة وتفاصيله التي قاومت الزمن، فكان يشعرني أن بعض الأماكن لا تكبر أبدا، بل تظل محتفظة بروحها مهما تغيّر العالم حولها.
أقف طويلاً أمام ساعة متوقفة، أو مرآة باهتة، أو صندوق خشبي قديم، وأفكر كم يدا لمسته؟
كم بيتا عاش فيه؟
وكم قصة صامتة يحملها دون أن يخبر بها أحدا؟
كنت أشعر دائما أن الأشياء القديمة تحفظ الذكريات أكثر من البشر أنفسهم.
ربما لهذا السبب ظل الخيال ملاذي الأقرب.
كنت أعيش نصف حياتي في الواقع، والنصف الآخر في أماكن صنعتها روحي وحدها.
أصدق كثيراً أن بعض الأرواح لا تنتمي تماما لعصرها، وأن هناك أناسا يعيشون حاملين حنينا غامضا لأزمنة لم يروها قط.
وأظنني كنت واحدة منهم.