الأعمدة

أفكار  لميس أدهم  مصالح الوطن تسمو علي جراح النفس

أفكار

لميس أدهم

مصالح الوطن تسمو علي جراح النفس

في زمنٍ صار فيه الوطن ساحة مفتوحة للنزيف، تبدو الدعوة إلى الحوار السوداني السوداني الشامل، التي يطرحها الأمير جمال عنقرة، ليست ترفا سياسيا ولا محاولة لإعادة تدوير الأزمات، بل محاولة جادة لإنقاذ ما تبقى من روح السودان المنهكة بالحرب والانقسام والخذلان.

 

لقد حملت تأملاته الأخيرة كثيرا من الصراحة السياسية الممزوجة بمرارة التجربة، واستندت إلى ذاكرة وطنية طويلة عاشت المصالحات والانكسارات، وعرفت أن الأوطان لا تُبنى بالثأر، ولا تُدار بمنطق الإقصاء، وأن الدم مهما اشتعل لا يطفئه إلا صوت العقل حين ينتصر للوطن فوق الانتماءات الضيقة.

 

إن أكثر ما يلفت الانتباه في هذا الطرح، أنه لا يدعو إلى حوار بين حكومة ومعارضة بحثا عن مقاعد السلطة، وإنما يدعو إلى مصالحة وطنية شاملة تعترف بأن السودان اليوم أكبر من كل الأحزاب، وأكبر من كل الاصطفافات، وأن الوطن المكلوم الذي أنهكته الحرب لم يعد يحتمل مزيدا من المعارك التي يدفع ثمنها المواطن البسيط وحده.

فإذا سلمت النوايا، وتجردت النفوس من رغبة الانتقام، وكان التسامح حاضرا بوصفه قيمة وطنية لا ضعفا سياسيا، فإن الحوار الشامل يظل الطريق الأكثر عقلانية للخروج من هذا النفق الطويل. فالحروب مهما امتدت لا تصنع وطنا، والرصاص لا يكتب دستورا، والانتصار الحقيقي ليس في هزيمة الخصوم، بل في إنقاذ البلاد من السقوط الكامل.

ولعل السودان اليوم أحوج ما يكون إلى رجال دولة لا تجار أزمات، وإلى أصوات تؤمن بأن الاختلاف السياسي لا يعني العداء الأبدي، وأن الوطن يتسع للجميع مهما تباينت الرؤى والمواقف. فالتاريخ السوداني نفسه حافل بمحطات تصالح فيها المختلفون بعد صدامات دامية، لأن الجميع أدرك في لحظة صدق أن بقاء الوطن أهم من بقاء الخصومة.

إن الدعوة إلى حوار شامل لا تعني تبرئة الأخطاء، ولا تجاهل المآسي، لكنها تعني تقديم مصلحة السودان على جراح الذات، وتعني الإيمان بأن المستقبل لا يمكن أن يُبنى بعقلية الإقصاء والكراهية. فالأوطان التي تنهض بعد الحروب هي تلك التي امتلكت شجاعة الجلوس إلى الطاولة حين عجزت البنادق عن صناعة السلام.

ويبقى السودان، رغم كل هذا الركام، بلدا يستحق فرصة أخيرة للحياة. فرصة تُقدَّم فيها الحكمة على الغضب، والتسامح على التشفي، وصوت الوطن على ضجيج المعارك.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى