
شئ للوطن
م.صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com
في خضم التحديات و المخاضات التي يمر بها السودان، تحمل زيارة رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، لمطار الخرطوم الدولي في الحادي والعشرين من أكتوبر 2025، دلالات عميقة ورسائل حاسمة. هذه الزيارة، التي تأتي من موقع كان “محتلاً” ثم استُرد بتضحيات القوات المسلحة والقوات المساندة، ليست مجرد جولة تفقدية، بل هي تأكيد عملي على عزم الدولة على طي صفحة التمرد وإعادة الأمن والاستقرار إلى ربوع البلاد.
لقد اختار البرهان شهر أكتوبر، ليصفه بـ”شهر انتصارات الشعب السوداني”، وبأنه “دوماً أخضر على السودانيين”. هذا الربط التاريخي ليس عفوياً، بل هو استدعاء لذاكرة الأمة الحية التي لطالما عرفت كيف تنتصر على محتليها ومعتديها. إن الإشارة إلى أن “أي اعتداء على الشعب سيرتد على المعتدي” هي قاعدة راسخة، تؤكد أن تصميم الشعب وإرادته – الذين لم يقرأهما “أعداء الشعب السوداني” جيداً – هما القوة الحقيقية التي لا تُقهر.
يضع القائد العام المعركة الراهنة في إطار تاريخي وثقافي عميق، مشبهاً السودان بـ”الأرض المعطاءة” التي “ستبتسم للسودانيين” كما ابتسم النهر الخالد لرموز المقاومة والتاريخ ترهاقا وبعانخي وعلي عبد اللطيف والمهدي. هذا الخطاب يعيد تعريف الهوية الوطنية في مواجهة محاولة المليشيات الغاشمة لاختطافها، مؤكداً أن “السودان أرض المجد” وحمايته والحفاظ على هذا المجد هو واجب أصيل على كل سوداني.
الرسالة الأهم التي وجهها البرهان كانت المتعلقة بالمستقبل: “لا نريد لأي مرتزق أو مليشي أن يكون له أي دور في المستقبل ولا نريد لأي جهة كانت تساند المليشيا أن يكون لها دور في مستقبل السودان”. هذا الموقف يضع خطاً فاصلاً وواضحاً، ويعكس عزم الدولة على تفكيك بنية التمرد وإزالة أي أثر لها من المشهد السياسي والأمني المستقبلي. إنه رفض قاطع لأي محاولة لتطبيع وجود الميليشيات المسلحة كجزء من المعادلة الوطنية.
في الوقت الذي يجدد فيه البرهان “العزم على القضاء على التمرد وعدم إعطائه فرصة للعودة مرة أخرى للمشهد”، فإنه يرحب أيضاً بـ”الجهود الجارية لتحقيق السلام”. هذا الترحيب المشروط ليس تناقضاً، بل هو تحديد لمفهوم “السلام” الذي ينشده السودانيون: “سلام مبني على الأسس الوطنية الراسخة”.
الأسس الوطنية تعني، كما ذكر، استبعاد كل من “ساند المليشيا” أو كانت له “أفعال إجرامية” ترتب عليها “أضرار بليغة” على الشعب. الدعوة للسلام في هذا السياق هي دعوة للعودة إلى سلطة الدولة الواحدة والقانون، وليس مكافأة للتمرد. إن السلام الحقيقي هو الذي يوفر “الحماية والأمان لجميع السودانيين”، وينهي التهديد الأمني الذي تمثله “العصابة الغاشمة”.
إن خطاب رئيس مجلس السيادة من مطار الخرطوم الدولي هو خطاب بناء إرادة وموقف حاسم. هو تعهد وطمأنة للشعب بأن جنود السودان “قادرين على إعادة الكرة آلاف المرات حتى يأمن جميع أهل السودان”، وتأكيد قاطع للمعتدين بأنهم “خسئتم” وأن “الشعب السوداني سينتصر في النهاية”. رسالة أكتوبر 2025 هي أن المرحلة الحالية هي مرحلة الحسم، وأن المستقبل القريب لن يكون فيه مكان لمن يهدد أرض المجد السودانية، فالسلام المنشود هو الذي يُبنى على الانتصار الكامل لإرادة الشعب ودحر التمرد بلا رجعة.