
أمل وانهار،،، (1-3)
حصاد الألسن
عبدالله مسعود
أهداني أخي وصديقي الدبلوماسي الحصيف فاروق عبدالرحمن سِفره القيم (السودان وسنوات التيه – نصف قرن لم يكتمل) وهو 718 صفحة من القطع المتوسط فالتهمته في وقت وجيز من (طقطق للسلام عليكم كما يقول أشقاؤنا أولاد بمبة).
الكتاب وما احتواه من معلومات قيمة سلسة في سردها مرجع هام لكل دبلوماسي عامل ومن يليه لينهل من خبرة ثرة لدبلوماسي من أنجب ما أنتجته الدبلوماسية السودانية يوم كان العمل فى السلك الدبلوماسي يؤسس على الكفاءة وليس الولاء كما يحدث في هذا العصر الشرس.
ليس ما أنا بصدده نقد أو تقييم لعمل أحسب أنه من أشمل وأصدق ما كتب عن العمل الدبلوماسي في الفترة من عام 1965م وحتى عام 1989م. لقد عاصرت المؤلف في مدرسة أم روابة الوسطى وخور طقت الثانوية وجامعة الخرطوم ووزارة الخارجية التي تركتها مكرهاً بعد أربع سنوات فقط حيث كنا أصدقاء منذ حينذاك فلم أشهد شخصاً منظماً في تفكيره وتخطيطه للوصول إلى بُغيته مثل فاروق.
ما دعاني للتعرض لهذا السِفر دون غيره من الأسفار التي أهدانيها الأصدقاء على إختلاف مشاربهم أن المؤلف تطرق للحقبة التي عملنا فيها سوياً في إدارة المراسم بوزارة الخارجية في الفترة من عام 1967م وحتى عام 1969م. تلك الفترة التي زارنا فيها ثلة من السفراء ومن بينهم سفير أفغانستان بالقاهرة (محور الحديث) الأستاذ / محمد موسى شفيق. زارنا سعادته في منتصف ديسمبر من عام 1968م، ومكث بين ظهرانينا ثلاثة أيام ما زلت أذكر كل لحظة فيها لطلاوتها ورقي محورها. كنا، الأخ فاروق وأنا، ملازمين للزائر الكريم – إما مجتمعين أو منفردين طيلة وجوده في الخرطوم وهي مهمة من المهام التي تُوكل لناشئة السلك في العمل المرسمي.
لعله من الأصوب إقتباس جزء مما كتبه الأخ فاروق عن سعادة السفير محمد موسى شفيق قبل أن أعرج لمرافقتي له منفرداً والألفة التي تخللت شغاف قلوبنا وكأننا أصدقاء العمر كله ولذلك دلالة. يقول الأخ فاروق في صفحة 538 من مؤلفه:
(من السفراء الزائرين “غير المقيمين” الذين أذكرهم بالإسم حتى اليوم بالرغم من مرور 44 عاماً، وبالرغم من أنني لم أقابله ثانية، سفير أفغانستان محمد موسى شفيق. ولعل السبب أو الأسباب في ذلك أنه أولاً: كان مميزاً في شكله وأدائه. ثانياً: كان باحث علم في الشأن السوداني حتى رمى إلينا بمعلومة غير مؤكدة جعلتنا نشارك في البحث لدى صاحب الأمر “على نحو ما سأوضح أدناه”. وثالثاً: لأنه تبوأ بعد ذلك منصباً هاماً في بلاده كلفه للأسف حياته).
كنت هائماً في بحور من ذكريات ذلك الزمن الجميل إلى أن وصلت للجملة الأخيرة التي أصابتني بالذهول والحزن العميق فطفقت ألهث لأقرا كيف ومتى ولم مات !!؟ قل لي يا فاروق كيف مات صديقنا !؟ غلبني دمعي وغشت عينيى غشاوة لم أستبن معها الحروف فأجهشت بعدها وإنكفأت أبكي بكاء من ذُبح وحيدها على حجرها. هرعت زوجتي، وهي من الجزع في نهاية، تستنبئنى الخبر ظناً منها أني فقدت أخاً عزيزاً أو أختاً عزيزة أو قريباً جم الوداد، فقلت لها أني فقدت أخاً في الإسلام وأخاً في الإنسانية ومعلماً سحرني بعلمه وتواضعه المتفردين. حقاً إن الأرواح جنود مجندة.
عبدالله مسعود