
افكار لميس أدهم المشتركة أبلت بلاء حسنا في معركة الكرام .. ولكن!
افكار
لميس أدهم
المشتركة أبلت بلاء حسنا في معركة الكرام .. ولكن!
قرأت مقال الأمير جمال عنقرة ” المشتركة.. والمخاطر المحتملة” بعناية، وأحسب أن من أهم ما يميزه أنه يلفت الانتباه إلى ضرورة الإنصاف في تقييم أدوار القوى التي شاركت في معركة الكرامة، بعيداً عن الجحود أو الانتقائية في قراءة الأحداث. فمن الثابت أن القوات المشتركة، شأنها شأن القوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى والمقاومة الشعبية، كانت جزءاً من مشهد الحرب المعقد، وقدمت تضحيات لا يمكن إنكارها أو تجاوزها عند كتابة تاريخ هذه المرحلة.
غير أن الموضوعية نفسها تقتضي ألا يتحول الاعتراف بالدور العسكري أو السياسي لأي طرف إلى حصانة من النقاش أو المراجعة. فالدولة لن تُبنى على ميزان الامتنان وحده، وإنما على قواعد مؤسسية واضحة تجعل الجميع خاضعين لمقتضيات الدولة وسيادة القانون. ومن حق المواطنين أن يتساءلوا عن أي وجود عسكري داخل العاصمة أو خارجها، أياً كان انتماؤه، كما أن من حقهم أن يطمئنوا إلى أن السلاح في نهاية المطاف سيكون جزءاً من منظومة وطنية موحدة لا تتعدد فيها مراكز القوة.
كما أن التخوف من عودة عناصر من الدعم السريع أو من أي ترتيبات سياسية غامضة هو تخوف مشروع إذا افتقدت العملية السياسية إلى الوضوح والشفافية. لكن معالجة هذه المخاوف لا تكون بإحلال مخاوف محل أخرى، وإنما ببناء الثقة عبر إعلان الحقائق للرأي العام، وتحديد أسس أي حوار أو تسوية بصورة لا تترك مجالاً للشائعات أو التأويلات المتضاربة.
إن سوداننا الحبيب اليوم أحوج ما يكون إلى خطاب يجمع ولا يفرق، ويوازن بين الاعتراف بالتضحيات وبين حق المجتمع في التساؤل والمحاسبة. فالحقيقة ليست ملكاً لطرف واحد، والوطن أكبر من أي فصيل، وأبقى من أي تحالف، وأسمى من أن يُختزل في معادلة صديق وعدو. وما يحتاجه السودانيون في هذه المرحلة ليس تبادل الاتهامات، وإنما رؤية وطنية تجعل من الشراكة وسيلة لبناء الدولة، لا مدخلاً لصراع جديد حول النفوذ والمكاسب.
فالتاريخ يعلمنا أن الانتصار في الحرب لا يكتمل إلا بالنجاح في بناء السلام، وأن أعظم ما يمكن أن يقدمه المنتصرون لوطنهم هو أن يؤسسوا لدولة يشعر فيها الجميع بالأمان، لا أن ينتقلوا من هواجس الأمس إلى مخاوف الغد.