
الأجيال الجديدة .. واللغات الأجنبية !!
كلام بفلوس
تاج السر محمد حامد
الأسبوع الماضى كنت فى مهمة شخصية بالرياض وصادف وجودى احتفال تدشين صحيفة (اكشن اسبورت)،وبينما أنا منهمكا فى السلام والترحاب مع الزملاء والزميلات لفت نظرى شخص وبجانبه فتاة فى غاية الجمال والأدب والوقار دون سابق معرفة وجدت نفسى اتجه ناحيتهم للسلام والترحاب وبالفعل سلمت عليهم وردوا التحية بسماحة اهلنا السمحين .. واخذتنى الحيرة فى صمت هذه الفتاة رغم الدردشة والحديث إلا أنها ظلت صامته فاخذنى الفضول وسألت والدها الدكتور عن ذلك السكوت الرهيب لا بنته .. فرد قائلا :
إبنتى جامعية .. لكنها لا تقرأ اللغة العربية وإنها لكى تفهم لا بد أن يكون الموضوع مترجما إلى الإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية – عجبى – وهذا يعد ودون مبالغة كارثة حقيقية .. نعم إن مثل هذه الفتاة تعبر فى واقع الأمر عن كارثة بل تعكس شؤما وسوءا يفصح بوضوح عن أبعاد ما ينتظر وطننا من محنة وضياع مؤلم .
كانت فى الماضى عائلات فى اقطار عديدة من بلاد العرب لا تتحدث فى بيوتها وفيما بينها إلا باللغة الأجنبية .. كان الوضع تعبيرا عن أن طبقة بعينها من الطبقات التى فضلت السلم الإجتماعى فى هذه البلدان هى جماعة من بقايا الحملات أو من الذين جاءوا إلى هذه البلدان ليذوبوا بين أهلها فاستعربوا لسانا لا روحا ولا عقلا ولا انتماء .
لست من الداعين الى الإمتناع عن تعلم اللغات الأجنبية ولا حتى الى منع المدارس الأجنبية على العكس أننى أرى أن إتقان متعلمينا وليس مجرد معرفتهم للغة أجنبية يعد لزاما وضروريا لتطورنا الشامل .. كما أنه يؤدى الى امتصاص الكثير من المزايا الثقافية والحضارية فى التفكير والتعبير ويساعد فى النهاية فى بلؤرة شخصية متوازنة ومتفتحة وهذا ما تؤكده حتى اجيالنا العربية التى تشير الى ان من تعلم لغة قوم أمن شرهم .
ولكن الكارثة تكمن فى ظهور جيل لا يقرأ العربية ثم لا يحسن التعبير بإستخدامها .. أن هذا فى اعتقادى معناه أن ثقافتنا التى ترمز لها لغتنا العربية لا تسير فى طريق النضج بل تسير فى الطريق المعاكس .. أن هناك مرحلة هبوط وانحطاط تعيشها بيوت المجتمعات متوسلة فى تلك المرحلة باللغة العربية التى تنعكس على سبيل المثال فى الاغانى والرقص وأدب التسلية وصحافتها الصفراء ليصل الأمر فى بعض الأحيان إلى برامج الإذاعة والتلفزيون .. لكن هذا لا يعد مبررا لكى نتخلى وأن نستهين بلغة الضاد الغنية والتى يكفى أنها لغة القرآن الكريم .
إن الفتاة السودانية التى لا تقرأ بالعربية ولن تفكر بالتالى بالعربية تعيش بلا شك خارج إطار مجتمعنا بل وخارج تاريخه لتبدو هائمة فى واد آخر فى رحلة اغتراب ثقافى روحى تتم على حساب الكثير من قيم أمتنا .. ولا شك أن انتشار الثقافة السطحية التى تنتجها أجهزة ومؤسسات معينة فى الغرب مثل أجهزة الفيديو والمجلات الرخيصة .. هذا النوع من الثقافة الذى يطرح على أنه (*تسلية)* أو لهو لينتشر كالنار فى الهشيم فيؤدى الى ان يكتشح أمامه كل أنماط الإنتاج والإبداع الثقافى للشعوب المستوردة والمستهلكة .
وتلك فى واقع الأمر قضية أخرى تستحق الطرح والمعالجة ذلك ان الخطورة التى يمثلها استيراد
واستهلاك هذه الأنواع الشعبية الهابطة من ثقافات الغرب يصعب مقاومة آثارها .. أما خطورة سلوك تلك الفتاة السودانية الجامعية بوجه خاص فإنه من الصعب مواجهته إذ لم ينتبه الى ذلك بوقت كاف لأن اللغة كوسيلة التفكير لا يمكن تعويض خسارتها لأنها تعنى خسارة أمة بأكملها وأجيال متفاوتة .. والله المستعان .. وكفى .