الأعمدة

الإحلال والاستبدال في مؤسسات الدولة.. العدالة الغائبة وموظفون ينتظرون مصيرهم

نقطة سطر جديد
إخلاص محمدابراهيم

تحدثتُ في مقالات سابقة عن قضية الإحلال والاستبدال في الوزارات والمؤسسات الحكومية منذ اندلاع الحرب، وهي قضية لا تتعلق بالموظفين وحدهم، وإنما تتعلق بالعدالة، وكفاءة مؤسسات الدولة، وحسن إدارة المال العام.
منذ اندلاع الحرب، توقفت بعض الدواوين الحكومية، وعندما أصبحت بورتسودان عاصمةً إدارية مؤقتة، فُتحت مقار للوزارات هناك، وأصبح بعضها داخل مجمع الوزارات، بينما كانت وزارات أخرى، مثل وزارة الخارجية، تعمل من مقار خارج المجمع.
وفي بداية الأمر، تم استدعاء عدد محدد من الموظفين والعاملين لتسيير دولاب العمل، بينما تم تكليف وكلاء الوزارات لتسيير شؤونها. وكان ذلك أمرًا مفهومًا في ظل ظروف الحرب؛ فالدولة لا تستطيع أن تتوقف، ومؤسساتها يجب أن تستمر مهما كانت الظروف.
لكن المشكلة أن الاستثناء طال، والمؤقت أصبح شبه دائم.
مرّت سنوات، وأصبح بعض الموظفين مستمرين في مواقعهم، يستفيدون من الحوافز، واللجان، والمؤتمرات، والدورات التدريبية، وغيرها من فرص العمل التي فرضتها ظروف المرحلة، بينما بقي زملاؤهم بعيدين عن مواقعهم، ينتظرون دورهم ولا يعرفون متى يعودون إلى أعمالهم بصورة طبيعية.
وكانت تكلفة إقامة العاملين في بورتسودان مرتفعة للغاية، ووصل إيجار بعض الشقق إلى ثلاثة أو أربعة مليارات جنيه، إلى جانب تخصيص ميزانيات للسكن، وتوفير عربات لنقل العاملين من وإلى مقار العمل.
في البداية قلنا: لا بأس، فالعمل يجب أن يستمر، والدولة يجب أن تحافظ على مؤسساتها.
لكن عندما يطول الظرف الاستثنائي، يصبح من حق المواطن أن يسأل: أين العدالة؟
لماذا لا يتم تطبيق نظام الإحلال والاستبدال والتناوب بين الموظفين، متى كانت طبيعة العمل تسمح بذلك؟
إن بقاء الموظف في موقعه لسنوات ليس جريمة، والاستفادة من فرص العمل ليست تهمة، لكن المشكلة تكمن عندما تصبح الفرص حكرًا على مجموعة محددة، بينما يُحرم منها آخرون دون معيار واضح أو سبب مقنع.
وقد شاهدنا نماذج تؤكد أن التناوب ممكن؛ فهناك جهتان كانتا تقومان بتغيير العاملين كل ثلاثة أشهر، حتى تتاح الفرصة لزملائهم للاستفادة من العمل والبدلات والحوافز. فلماذا لا يصبح هذا النموذج سياسة واضحة في الجهات التي تسمح طبيعة عملها بذلك؟
ثم جاء قرار رئيس مجلس الوزراء، الدكتور كامل إدريس، بنقل الوزارات إلى ولاية الخرطوم، وبدأت بعض الوزارات بالفعل في تنفيذ عملية النقل، بينما أبقت بعض الوزارات والهيئات على ممثلين لها في بورتسودان.
وهنا تبدأ أسئلة أكبر وأكثر إلحاحًا:
هل عادت الدولة إلى الخرطوم، أم عاد معها فقط الموظفون الذين كانوا في مواقعهم منذ بداية الحرب؟
وهل تم وضع خطة عادلة لعودة بقية الموظفين إلى أعمالهم؟
وهل قامت الوزارات بحصر جميع العاملين، وتحديد احتياجاتها الحقيقية، ثم توزيع الفرص بصورة عادلة وشفافة؟
لقد وصلتنا معلومات عن موظفين استفادوا خلال سنوات الحرب من فرص العمل، حتى تمكن بعضهم من شراء سيارات، بل وشراء منازل في الخرطوم.
ونقول بوضوح: لا نحسد أحدًا على رزقه، ولا نعترض على أن يحسن الموظف أوضاعه المعيشية.
لكن السؤال ليس: كيف استطاع فلان أن يشتري سيارة؟
السؤال هو: هل كانت الفرصة متاحة للجميع؟
فليس من المنطقي أن يعمل موظف في الدرجة السابعة ويحصل على مزايا وظيفية لسنوات، بينما يجلس موظف آخر بالدرجة نفسها، وربما يحمل المؤهلات والخبرة ذاتها، في منزله لا يعرف مصيره.
والأكثر إيلامًا أن بعض الموظفين الذين تم استبعادهم من مواقع العمل اليوم يعيشون حالة من الفراغ والقلق، ليس لأنهم لا يريدون العمل، وإنما لأنهم لا يعرفون: هل ما زالوا موظفين؟ وهل ستعود إليهم وظائفهم؟ وهل سيتم توزيعهم؟ أم أصبحوا خارج حسابات مؤسساتهم؟
وهذا الأمر لا ينبغي النظر إليه من زاوية المال فقط.
هناك جانب نفسي وإنساني خطير.
الموظف الذي درس سنوات، واكتسب الخبرة، واجتاز لجنة الاختيار، وقُبل في الخدمة العامة على أساس الكفاءة والاستحقاق، لا ينبغي أن يشعر فجأة بأنه أصبح بلا قيمة.
العمل ليس راتبًا فقط.
العمل كرامة، وانتماء، وإثبات للذات، وخدمة للوطن.
ومن المؤلم أن يكون الإنسان مؤهلًا، وتم اختياره عبر لجنة الاختيار، ثم يجد نفسه بعد سنوات خارج دائرة العمل، بينما يرى زملاءه يمارسون أعمالهم ويشاركون في اللجان والمؤتمرات والدورات التدريبية، ويحصلون على مزايا مالية كبيرة.
وهنا أتساءل:
هل الحرب أسقطت فقط المباني والمؤسسات، أم أسقطت أيضًا مبدأ تكافؤ الفرص؟
لقد تحدثنا خلال الأشهر الماضية عن تقليص أعداد العاملين والموظفين في الوزارات، ثم جاءت إفادات بأن الحصر يتعلق بمن يرغبون في المعاش الاختياري.
لكن ماذا عن الموظفين الذين يجلسون في منازلهم؟
وماذا عن الذين عادوا إلى الخرطوم؟
وماذا عن الذين لم يتم استدعاؤهم رغم حاجتهم للعمل، بينما يستمر آخرون في الاستفادة من مواقعهم؟
نحن لا نطالب بإبعاد موظف لصالح موظف آخر، ولا نطالب بحرمان من يعمل من حقوقه، وإنما نطالب بالعدالة والشفافية وتكافؤ الفرص.
إذا كانت هناك حاجة إلى عدد محدد من الموظفين، فليكن الاختيار وفق معايير معلنة، وإذا كانت طبيعة العمل تسمح بالتناوب، فليتم تطبيق التناوب، وإذا كانت هناك وظائف لا يمكن أن تتوقف، فليتم تحديدها بوضوح.
أما أن يظل موظفون لسنوات في مواقعهم، ويظل آخرون في المنازل ينتظرون المجهول، فهذه وضعية تحتاج إلى مراجعة عاجلة.
ونحن نرفع هذه الرسالة إلى السيد الفريق أول عبدالفتاح البرهان، وإلى السيد رئيس مجلس الوزراء الدكتور كامل إدريس، وإلى وزراء الوزارات والجهات المعنية بالخدمة المدنية.
نحن نعلم أن الحرب أرهقت الدولة، وأربكت مؤسساتها، وفرضت ظروفًا استثنائية لم يكن أحد يتوقعها. لكن الظروف الاستثنائية لا ينبغي أن تتحول إلى غطاء دائم لغياب العدالة.
إذا كنا نتحدث عن بناء السودان بعد الحرب، فعلينا أن نبدأ من مؤسسات الدولة نفسها.
نحتاج إلى مراجعة شاملة لملف الموظفين الذين تم استدعاؤهم خلال الحرب، ومراجعة كشوف العاملين، وتحديد الاحتياجات الفعلية لكل وزارة وهيئة، ووضع آلية واضحة للإحلال والاستبدال والتناوب، حتى لا يصبح الاستدعاء المؤقت امتيازًا دائمًا لفئة محدودة.
كما نحتاج إلى معالجة أوضاع الموظفين الذين عادوا إلى الخرطوم، وتوضيح مستقبلهم الوظيفي، وإعادتهم إلى العمل متى كانت هناك حاجة إلى تخصصاتهم، أو إيجاد حلول قانونية وإدارية واضحة لأوضاعهم.
الدولة ليست ملكًا لمجموعة من الموظفين، والوظيفة العامة ليست امتيازًا خاصًا.
إنها حق ومسؤولية، ويجب أن تقوم على الكفاءة والعدالة وتكافؤ الفرص.
وأقولها بصراحة: لقد تغيّرت البلاد بسبب الحرب، وتغيّرت المؤسسات، وتغيّرت حياة الناس، لكن لا ينبغي أن نسمح بأن تتحول الحرب إلى سبب لخلق طبقة من الموظفين المستفيدين، وطبقة أخرى من الموظفين المهمشين داخل مؤسسات الدولة نفسها.
لقد فاض الكيل.
الموظف الذي يجلس في منزله اليوم ليس بالضرورة موظفًا فاشلًا أو غير مؤهل؛ ربما يكون فقط شخصًا لم تأته فرصة الاستدعاء.
والذين استفادوا من سنوات الحرب ليسوا بالضرورة مخطئين؛ ربما كانوا يؤدون واجبهم.
لكن العدل يقتضي أن نرى الطرفين معًا.
أن نحفظ حق من عمل، وأن نمنح فرصة لمن ينتظر.
أن نحاسب من أخطأ، وأن نحمي حق من أدى واجبه.
أن تكون الدولة دولة مؤسسات، لا دولة فرص تُتاح لبعض الناس وتغلق أبوابها أمام آخرين.
فالعدالة لا تعني أن يأخذ الجميع الشيء نفسه، وإنما أن يحصل كل إنسان على فرصته وفق القانون والكفاءة والحاجة.
والسؤال الذي يجب أن تجيب عنه الوزارات اليوم بكل شفافية:
أين موظفو الخدمة المدنية الذين جلسوا في منازلهم طوال سنوات الحرب؟
وما مصيرهم بعد عودة الوزارات إلى الخرطوم؟
هذه ليست مطالبة شخصية، وإنما قضية عدالة وظيفية تستحق أن تُفتح بشجاعة، لأن بناء الدولة يبدأ من احترام الإنسان داخل مؤسساتها.
نريد دولة لا يُهدر فيها الموظف، ولا تُحتكر فيها الفرص، ولا تتحول الظروف الاستثنائية إلى امتيازات دائمة.
#الإحلال_والاستبدال
#الخدمة_المدنية
#العدالة_الوظيفية
#تكافؤ_الفرص
#مؤسسات_الدولة
#السودان
#الخرطوم
#بورتسودان
#كامل_إدريس
#البرهان
#إصلاح_الخدمة_المدنية

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى