الأعمدة

الاعتذار في السياسة السودانية فضيلة ام مستحيل  بكري يوسف البر

 

الاعتذار في السياسة السودانية فضيلة ام مستحيل

بكري يوسف البر

من أغرب ما يلفت النظر في تاريخنا السياسي أن السودانيين شعب متسامح بطبعه، سريع إلى العفو، ميال إلى الصلح، حريص على جبر الخواطر ورتق الفتق بين الناس، ومع ذلك ظل الاعتذار السياسي من أندر الظواهر في حياتنا العامة، حيث يسرق الحلم، و يتواصل السير علي مسامير الألم.

منذ الاستقلال، تعاقبت الحكومات المدنية والعسكرية، وقامت الثورات والانقلابات، واندلعت الحروب والانتفاضات، وتبدلت التحالفات والولاءات، ولكن من الصعب أن نعثر على قائد سياسي وقف أمام الشعب قائلا: أخطأت، وأتحمل مسؤوليتي عن ذلك، و يستمر مسلسل الحال المائل، و نبني بيوت اوهام، اساسها هش.

قد نجد اعترافات متفرقة بالأخطاء، وقد نعثر على مراجعات فكرية وسياسية مهمة، ولكن الاعتذار الصريح ظل استثناء نادرا في تاريخ السياسة السودانية. يقول اهل السودان قدح البصيرة تقيل، غير أن ذلك القدح اصبح خفيفا في خطابنا السياسي.

ولعل السؤال الذي يستحق التأمل هو لماذا؟

هل لأن السياسي السوداني أقل خطأ من غيره من ساسة العالم؟ أم لأن ثقافتنا السياسية تنظر إلى الاعتذار باعتباره ضعفا وانتقاصا من الهيبة والمكانة؟

في تقديري أن السبب أقرب إلى الثانية منه إلى الأولى.

ففي مجتمعاتنا التقليدية ترتبط الزعامة بالوقار والثبات وعدم التراجع. لذلك يجد كثير من القادة سهولة في تفسير الأخطاء أو تبريرها أو ردها إلى الظروف والمؤامرات، بينما يجدون صعوبة في الاعتراف بها بصورة مباشرة. و لعل ذلك يرجعنا الي ان مجتمعنا أميل للبداوة في التفكير، عوضا عن التفكير الابداعي و مواجهة ازماتنا بالإعتراف بالخطأ.

 

ومن يتأمل تاريخ السودان الحديث يلاحظ أن معظم القوى السياسية مارست قدرا من النقد الذاتي في مراحل مختلفة. الأحزاب التقليدية راجعت بعض مواقفها، واليساريون أعادوا النظر في تجارب عديدة، والحركات المسلحة أجرت مراجعات متعددة، كما ناقشت الحركة الإسلامية أخطاء تجربتها بعد خروجها من السلطة.

 

غير أن الفرق كبير بين المراجعة والاعتذار.

 

فالمراجعة تعني إعادة تقييم التجربة، و ذلك شأن داخلي يخص الحزب او الجماعة، أما الاعتذار فيعني الإقرار بالمسؤولية الأخلاقية والسياسية عنها، مهما كان الثمن، فالحقيقة لا تخسر ابدا حين تكشف.

 

ومن أكثر النماذج إثارة للاهتمام في هذا الجانب تجربة الدكتور حسن الترابي.

 

فالرجل كان من أبرز صناع انقلاب الثلاثين من يونيو 1989، ثم انتهى به المطاف بعد سنوات طويلة إلى مراجعة ذلك الخيار نفسه. وقد أقر في أكثر من مناسبة بأن اللجوء إلى الانقلاب لم يكن الطريق الصحيح، وأن التجربة لم تفض إلى النتائج التي كان يرجوها أصحابها. والأهم من ذلك أنه ظل متمسكا بموقفه الرافض للعودة إلى ذات النموذج، رغم أن الظروف السياسية وفرت له أكثر من فرصة لإعادة التموضع أو التفاهم.

 

صحيح أن الترابي لم يقدم اعتذارا مباشرا بالمعنى المتعارف عليه، ولكنه قدم مراجعة فكرية وسياسية عميقة تستحق التوقف عندها. و ذهب الدكتور الترابي أبعد من ذلك، بتوجيه النصح لاخوان مصر و تونس، بعدم الاستعجال للسلطة، و الاكتفاء بالجانب التشريعي، تلك النصيحة أتت من واقع تجريبي، و اعتراف ضمني بفشل التجربة في السودان.

 

وليس الترابي وحده من يفتح باب المراجعة في التجربة السياسية السودانية، فهناك شخصيات أخرى مثّلت، بدرجات متفاوتة، حضورا لافتاً لفكرة النقد الذاتي وإعادة النظر في المسار.

 

فقد ظل الإمام الصادق المهدي يمارس في سنواته الأخيرة قدرا واضحا من المراجعة لتجربة الحكم المدني الثالثة وما رافقها من إخفاقات بنيوية في إدارة الدولة والتحالفات السياسية. لم يكن خطابه اعتذارا مباشرا بقدر ما كان إقرارا ضمنيا بأن التجربة الديمقراطية لم تُحسن التعامل مع تعقيدات الواقع السوداني، وأن النخب المدنية لم تكن في مستوى التحديات التي واجهتها. وتكمن أهمية هذا المسار في أنه صدر عن قائد سياسي ظل في قلب السلطة والمعارضة معا، وشكّل أحد أبرز رموزها لعقود طويلة.

 

أما منصور خالد، فقدّم نموذجا مختلفا في الكتابة والممارسة معا. إذ اظهر تجربته بقدر عالٍ من القدرة على مراجعة المواقف وإعادة قراءة الأحداث من زوايا متعددة، دون التقيد بسردية واحدة أو موقع سياسي ثابت. وقد تنقّل بين مواقع فكرية وسياسية مختلفة، وكتب عن التجربة السودانية بروح نقدية لا تتردد في مساءلة الذات والآخر في آن واحد. وتكمن فرادته في أنه لم يتعامل مع السياسة بوصفها اصطفافا دائما، و لكن بوصفها مجالا للفهم وإعادة الفهم، الأمر الذي جعل كتاباته مرجعا مهما في التفكير في الدولة السودانية وأزماتها.

 

وهنا يبرز سؤال آخر:

 

إذا كان بعض أبرز الفاعلين السياسيين قد قدموا درجات مختلفة من المراجعة، فلماذا لم تتحول هذه المراجعات إلى ثقافة سياسية عامة تتبناها مختلف القوى السودانية؟

 

ذلك أن الانقلابات لم تكن حكرا على تيار واحد، كما أن الاستقواء بالسلطة أو السلاح أو التحالفات الخارجية لم يكن سلوكا محصورا بجهة دون غيرها.

 

ومن ثم فإن أزمة السودان ليست أزمة أخطاء فقط، وإنما أزمة في كيفية التعامل مع الأخطاء بعد وقوعها.

لقد اعتدنا أن نختلف، ولكننا لم نتعلم بعد كيف نعترف بالخطأ.

 

واعتدنا أن نبدل التحالفات، ولكننا لم نطور تقليدا سياسيا يجعل المراجعة فضيلة والاعتذار شجاعة.

والأمم لا تتقدم لأنها معصومة من الزلل، وإنما لأنها تمتلك القدرة على التعلم من تجاربها، والشجاعة للاعتراف بما اقترفته أيديها.

ولعل السودان، وهو يمر بأقسى محنة في تاريخه الحديث، أحوج ما يكون إلى هذا النوع من الشجاعة، فلإعتذار في السياسة سمة من سمات الحكم الرشيد، و تساعد في اعادة الثقة بين الحاكم و المحكوم.

 

فالمصالحة الوطنية الحقيقية لا تبدأ من تبادل الاتهامات، وإنما من الاعتراف بالأخطاء، واحترام عقول الناس، والتواضع أمام دروس التاريخ. و اصاب مانديلا حين قال: “الشجاعة ليست غياب الخوف، بل هي القدرة علي التغلب عليها و تحمل المسؤولية”

 

فالتاريخ لا يطلب من السياسي أن يكون معصوما، ولكنه يطالبه بأن يكون صادقا مع نفسه ومع شعبه عندما يخطئ.

 

و من البلية عذل من لا يرعوي

عن غية و خطاب من لا يفهم

 

وتلك، في ظني، فضيلة ما زالت تنتظر مكانها في السياسة السودانية. و حتي لا نتهم بأن حوادثنا كبيرة، و رجالنا صغار. الشعب السوداني كما قال أحدهم: يستحق اكثر من هذا العدم المتاح.

 

بكري يوسف البُر

يونيو ٢٠٢٦

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى