الأعمدة

التسوية السياسية بين الإكراه والسيادة

وجه الحقيقة

إبراهيم شقلاوي

تقف بلادنا اليوم أمام لحظة سياسية فارقة، تتجاوز حدود الحرب الجارية منذ أبريل 2023، لتطال كيان الدولة ومجال سيادتها، وطبيعة التسوية السياسة المحتملة، في ظل تداخل غير مسبوق لعدة ظروف أبرزها تحديات الداخل الوطني المأزوم، والضغط الدولي والإقليمي المتصاعد في طمع.

في هذا السياق يكتسب لقاء الرئيس عبد الفتاح البرهان بالمبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو أهمية بالغة، إذ جاء متزامناً مع حراك دولي مكثف تقوده الآلية الخماسية، التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والإيقاد وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي، في إطار جهود تهدف إلى بلورة مسار سياسي جديد لمرحلة ما بعد الحرب.

وقد أطلع المبعوث الأممي القيادة السودانية على نتائج مشاورات أديس أبابا التي جرت بين 3 و5 يونيو 2026م، و مخرجات مؤتمر برلين في أبريل الماضي، حيث تركزت النقاشات على بلورة إطار انتقالي ذي طابع مدني، مدعوم بآليات متابعة دولية وجداول زمنية محددة، بما يعكس انتقالاً تدريجياً من الوساطة إلى المشاركة في تصميم ملامح التسوية القادمة.

وفي موازاة ذلك، صدر بالأمس بيان دولي مشترك عن الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، إلى جانب الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والإيقاد وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة، أكد على وقف الحرب وضرورة هدنة إنسانية عاجلة، والدفع نحو مسار سياسي مدني يقود إلى انتقال محدد الإطار الزمني، مع إطلاق حوار سوداني شامل برعاية دولية، وربط التقدم السياسي بمواقف المجتمع الدولي تجاه الأطراف المختلفة.

ورغم تأكيد البيان على وحدة السودان وسيادته، إلا أنه يعكس بوضوح اتجاهاً دولياً ضاغطة نحو الانتقال من إدارة الأزمة إلى التأثير في صياغة مسار الحل وفق رؤية تحمل استثناء لبعض القوي السياسية السودانية.

هنا تتجسد معادلة الإكراه والسيادة في أوضح صورها. فالسودان يتحرك ضمن بيئة دولية طامعة تسعى إلى وقف الحرب وهندسة بناء الدولة، بينما يتمسك في المقابل بحق القرار الوطني في إدارة مساره السياسي دون وصاية من احد أو إعادة تشكيل خارجي لمؤسساته الوطنية . وبين هذين الاتجاهين تتشكل منطقة تفاوض حذر، تتداخل فيها الاعتبارات الإنسانية مع الحسابات الجيوسياسية، ويعاد فيها تعريف حدود الوساطة الدولية .

غير أن قراءة المشهد لا تكتمل دون إدراك التحول الواضح داخل المجتمع السوداني، الذي لم يعد مجرد متابع للأحداث، بل أصبح فاعلاً رئيسياً في صياغة المواقف السياسية والاجتماعية . فقد برزت قوى مدنية ومجتمعية ومهنية انحازت بشكل واضح إلى خيار الدولة ومؤسساتها، ورفضت أي مقاربة تُساوي بين الدولة والمليشيا، في ظل ما خلفته الحرب من انتهاكات واسعة طالت المدنيين في الخرطوم و دارفور والجزيرة وكردفان وغيرها.

وفي المقابل، يظل ملف العدالة الانتقالية أحد أكثر الملفات حساسية في أي تسوية قادمة، إذ لا يمكن فصل مستقبل السلام عن مسألة المحاسبة على الانتهاكات الجسيمة المرتكبة بحق المدنيين و التي رافقت الحرب، بما يشمل المليشيا وداعميها ، المحلين، باعتبار أن العدالة لا تتجزأ، وأن أي تسوية تتجاوز هذا البعد ستظل ناقصة من حيث القبول والاستدامة.

كما أن المشهد السياسي لا يمكن عزله عن طبيعة تركيبته الداخلية، حيث لا يمكن هندسة تسوية مستقرة عبر الإقصاء الشامل لقوى سياسية وازنة، بما فيها التيارات الإسلامية أو غيرها من الفاعلين التاريخيين، لأن التجربة السودانية تُظهر أن الاستبعاد الكامل للقوى ذات الامتداد الاجتماعي والسياسي يؤدي غالباً إلى فجوة أمنية يعاد إنتاجها بأشكال أكثر تعقيداً.

وعليه، فإن المقاربة الأكثر واقعية ليست في الإقصاء أو التمكين، بل في “الاحتواء المشروط”، الذي يربط المشاركة السياسية بالالتزام بوقف العنف، والقبول بالمسار الانتقالي، والخضوع لمقتضيات العدالة الانتقالية، ضمن إطار دستوري جديد يعيد تنظيم المجال السياسي بدل شيطنته .

ومن هذا المنظور، يبدو الحل أقرب إلى إعادة بناء العقد السياسي السوداني منه إلى مجرد إعادة توزيع السلطة. فالمطلوب ليس هندسة مشهد سياسي مُفرغ من مكوناته، بل إدارة التعدد القائم ضمن دولة قادرة على الاستيعاب والمساءلة معًا. لذلك لا يمكن النظر إلى التسوية المقبلة باعتبارها اتفاقًا لوقف الحرب، بل كعملية لإعادة تعريف الدولة السودانية : من يملك قرارها، وكيف تُدار، وكيف تُستعاد قوتها بعد الحرب. فالقضية لم تعد إجرائية، بل باتت مسألة وجودية تمس هوية الدولة ووحدة بنيتها السياسية.

وفي نهاية المطاف، بحسب #وجه_الحقيقة، فإن نجاح أي تسوية مرهون بقدرتها على الموازنة بين السيادة الوطنية والعدالة الانتقالية واستيعاب التعدد السياسي القائم دون إقصاء . فالتجربة السودانية تؤكد أن السلام الذي يفتقر إلى توافق وطني حقيقي يظل هشاً وقابلاً للانتكاس. لذلك لا يواجه السودان اليوم تحدي إنهاء الحرب فحسب، بل تحدي إعادة تأسيس الدولة على أسس تضمن وحدتها واستقرارها ومستقبلها.
دمتم بخير وعافية.
الأربعاء 10 يونيو 2026 م Shglawi55@gmail.com
#السودان
#التسوية_السياسية
#السيادة_الوطنية
#وقف_الحرب
#العدالة_الانتقالية
#الحوار_السوداني
#إعادة_بناء_الدولة
#السودان_في_المفترق
#إبراهيم_شقلاوي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى