
التفاوض حول الحوار في الأزمة السودانية: كيف يمكن كسر الجمود؟ بقلم: محمد شوقي خليل
التفاوض حول الحوار في الأزمة السودانية: كيف يمكن كسر الجمود؟
بقلم: محمد شوقي خليل
لا يعود الجمود في الأزمة السودانية إلى صعوبة التوصل إلى اتفاق حول وقف الحرب ومستقبل الحكم فحسب، بل يبدأ قبل ذلك بخلاف أعمق حول الحوار نفسه: من يدعو إليه؟ ومن يشارك فيه؟ ومن يحدد أجندته؟ وتحت أي مظلة يُعقد؟ وما علاقته بالتفاوض العسكري وبالترتيبات السياسية المقبلة؟
لهذا، فإن الدعوة المباشرة إلى «حوار وطني شامل» قد لا تكون كافية. فالأطراف السودانية لا تزال مختلفة حول معنى الحوار وملكيته وحدوده، وربما يصبح المؤتمر الجامع، إذا عُقد بلا إعداد واتفاق على قواعده، ساحة جديدة لتجديد الصراع بدلاً من معالجته.
المطلوب في المرحلة الراهنة هو التفاوض حول الحوار؛ أي إطلاق عملية تمهيدية محدودة لا تهدف إلى حل جميع قضايا الأزمة، وإنما إلى الاتفاق على قواعد عملية سياسية موثوقة يمكن أن تقود إلى الحل.
الفصل بين المسارات
أولى خطوات كسر الجمود هي الفصل الواضح بين المسار العسكري والإنساني العاجل، والمسار السياسي والمدني طويل المدى. فوقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وإيصال المساعدات، وإخلاء المناطق المدنية، قضايا لا يجوز تعليقها على التوصل إلى تسوية سياسية شاملة.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن يؤدي التفاوض العسكري إلى منح طرفي الحرب حق احتكار تقرير مستقبل البلاد. فامتلاك السلاح قد يجعل الطرفين ضروريين لوقف القتال، لكنه لا يمنحهما تفويضاً لتحديد شكل الدولة أو اختيار من يمثل المجتمع السوداني.
حوار تمهيدي حول قواعد الحوار
بدلاً من البدء مباشرة بالقضايا الأكثر تعقيداً، مثل السلطة والجيش والدستور، يمكن عقد مشاورات تمهيدية قصيرة وغير ملزمة للاتفاق على المبادئ الحاكمة للعملية، ومعايير المشاركة والتمثيل، واختيار الميسرين، ووضع الأجندة، وطريقة اتخاذ القرار، والعلاقة بين الحوارات المحلية والمنبر القومي.
الغاية في هذه المرحلة ليست إنتاج اتفاق سياسي نهائي، بل بناء ثقة كافية في العملية نفسها. فكثير من الأطراف قد ترفض المشاركة، لا لأنها ترفض الحوار من حيث المبدأ، وإنما لأنها تخشى أن تكون نتائجه قد حُددت مسبقاً، أو أن يُستخدم لإضفاء الشرعية على طرف بعينه.
لذلك يجب التأكيد منذ البداية أن المشاركة في الحوار لا تعني تأييد الحكومة، أو الاعتراف بمواقف أي قوة سياسية أو عسكرية، ولا تمنح أي طرف حق النقض أو احتكار التمثيل.
الحاجة إلى مساحة مشتركة
يحتاج السودان إلى مساحة مشتركة غير اصطفافية، لا تقوم على جمع المتفقين وحدهم، بل على تمكين المختلفين من التواصل دون مطالبتهم بالتنازل المسبق عن مواقفهم.
ولا ينبغي أن تكون هذه المساحة تحالفاً سياسياً جديداً أو منصة لتوزيع المناصب، وإنما بيئة آمنة للاستماع المتبادل، وتحديد نقاط الخلاف، واكتشاف المصالح المشتركة، وبناء تفاهمات تدريجية حول القضايا التي تمس حياة السودانيين مباشرة.
وقد لا يبدأ المشاركون برؤية موحدة لمستقبل الحكم، لكن يمكنهم الاتفاق على حماية المدنيين، ورفض تقسيم البلاد، والمحافظة على مؤسسات الدولة، ومنع الانتقام، وتأمين عودة النازحين، واستعادة الخدمات الأساسية. ومن هذه المساحات المحدودة يمكن أن تنمو الثقة السياسية المطلوبة للانتقال إلى القضايا الأصعب.
البدء بما يمكن الاتفاق عليه
من أسباب تعثر المبادرات السابقة أنها بدأت غالباً بالسؤال الأكثر إثارة للانقسام: من يحكم السودان؟ بينما قد يكون الأجدى البدء بالقضايا الإنسانية والمجتمعية الأقل خلافاً، مثل حماية المدنيين، وإيصال المساعدات، وإطلاق المحتجزين، وكشف مصير المفقودين، وتأمين المستشفيات والمرافق العامة، ودعم المصالحات المحلية.
هذه الملفات ليست بديلاً عن الحل السياسي، لكنها يمكن أن تنتج نجاحات محدودة وملموسة. وكل نجاح من هذا النوع يثبت للسودانيين أن الحوار قادر على تحسين حياتهم، وليس مجرد وسيلة لإعادة ترتيب مواقع النخب.
توسيع قاعدة المشاركة
لا يمكن بناء سلام مستدام إذا اختُزل السودان في طرفي الحرب والقوى السياسية المنظمة. فهؤلاء أطراف مهمة، لكنهم لا يمثلون وحدهم المجتمع السوداني بكل تنوعه وتجربته ومعاناته.
ينبغي أن تشمل العملية المجتمعات المحلية، والنساء، والشباب، والنازحين واللاجئين، والضحايا، والمهنيين، والقيادات الأهلية والدينية، والمبادرات المدنية، والمزارعين والرعاة، وممثلي المناطق التي تعطلت فيها مؤسسات الدولة.
والأصل أن يبدأ الحوار من المجتمع، عبر مشاورات محلية ومسارات متخصصة، ثم تنتقل خلاصاته بصورة منظمة إلى المستوى القومي. وبذلك لا يصبح المنبر الوطني اجتماعاً للنخب، بل تتويجاً لعملية استماع ومشاركة واسعة.
كما يجب الاعتراف بالحوارات الجارية داخل السودان وخارجه وفي الفضاء الإسفيري بوصفها مدخلات مشروعة، من دون اعتماد تلقائي لنتائجها أو استبعاد مسبق لأي منها. فالظروف الأمنية وإمكانات المشاركة تختلف بين منطقة وأخرى، ولا يجوز أن يتحول مكان الإقامة أو القدرة على السفر إلى معيار للشرعية الوطنية.
دور الخارج: الدعم لا الوصاية
لا يمكن تجاهل الدور الإقليمي والدولي في إنهاء الحرب، لكن المطلوب هو تنظيم هذا الدور، لا استبدال الإرادة السودانية به. ويمكن للشركاء الإقليميين والدوليين توفير الضمانات والموارد والخبرة الفنية والضغط من أجل حماية المدنيين ووقف تدفق السلاح.
أما اختيار المشاركين، ووضع الأجندة، وتحديد النتائج السياسية، فيجب أن يظل مسؤولية سودانية. فالتدخل الخارجي يصبح أكثر فاعلية عندما يساعد السودانيين على امتلاك العملية، لا عندما يقدم لهم تسوية جاهزة.
التدرج بدلاً من الصفقة الكبرى
لا يحتاج السودان إلى انتظار اتفاق نهائي شامل قبل اتخاذ أي خطوة. يمكن اعتماد مسار مرحلي يبدأ بإجراءات إنسانية وترتيبات لخفض التصعيد، ثم ينتقل إلى مشاورات مجتمعية وحوارات متخصصة، وبعدها إلى منبر وطني يناقش قضايا الدولة والانتقال والحكم.
ويجب أن تخضع كل مرحلة للمراجعة قبل الانتقال إلى المرحلة التالية، حتى تُصحح الاختلالات في التمثيل والإجراءات، ولا تتحول الأخطاء المبكرة إلى حقائق سياسية دائمة.
هذا التدرج لا يعني تأجيل القضايا الكبرى، بل يمنع تحميل لقاء واحد مهمة إنهاء حرب معقدة وإعادة تأسيس الدولة في الوقت نفسه.
العدالة شرط للسلام
لا يمكن أن تنجح أي عملية حوار إذا تجاهلت الضحايا أو استخدمت المصالحة غطاءً للإفلات من المسؤولية. وفي المقابل، ينبغي ألا تُدار العدالة بطريقة جماعية أو انتقائية تعيد إنتاج الانقسام.
يمكن للعدالة الترميمية أن توفر إطاراً يضع الضحايا في مركز العملية، ويجمع بين كشف الحقيقة، والاعتراف بالضرر، وجبره، وإصلاح العلاقات والمؤسسات، مع الحفاظ على المساءلة عن الجرائم الجسيمة.
فالسلام الحقيقي ليس مجرد توقف القتال، بل استعادة الأمان والكرامة والثقة بين المجتمع والدولة، وبين المجتمعات التي مزقتها الحرب.
نحو اختراق تدريجي
كسر الجمود السوداني لا يبدأ بالضرورة بمؤتمر كبير يجمع الجميع تحت سقف واحد، ولا بصفقة نهائية بين القيادات المتصارعة. قد يبدأ بخطوة أكثر تواضعاً وواقعية: اتفاق محدود على كيفية الاختلاف، ومن يشارك، وكيف تُتخذ القرارات، وما الضمانات التي تمنع اختطاف العملية.
المطلوب هو الانتقال من التنافس على ملكية الحوار إلى التوافق على قواعده، ومن البحث عن تسوية نخبوية سريعة إلى بناء عملية سودانية مستقلة ومتدرجة. عملية تبدأ بحماية الإنسان، وتتسع عبر المجتمع، وتنتهي بإعادة تأسيس الدولة على قواعد المواطنة والعدالة والمشاركة.
وفي ظل انعدام الثقة واتساع رقعة الحرب، قد لا يكون الاختراق الكبير ممكناً دفعة واحدة. لكن سلسلة من الاختراقات الصغيرة، إذا قامت على قواعد عادلة وملكية سودانية حقيقية، يمكن أن تفتح الطريق نحو سلام أكثر شرعية واستدامة.