
السودان عبر وعظاتسبعون عامًا من الاستقلال… دروس التاريخ وأثمان الحلم
بقلم: دكتور ياسر احمد ابراهيم
حين نال السودان استقلاله في الأول من يناير 1956، بدا وكأن التاريخ يمنحه فرصة نادرة: دولة شاسعة، غنية بالموارد، متنوّعة الثقافات، وقادرة نظريًا على أن تكون جسرًا بين أفريقيا والعالم العربي. غير أن سبعين عامًا مرّت، تحوّل فيها هذا الحلم الكبير إلى سلسلة من الدروس القاسية؛ دروس لم تُكتب بالحبر، بل بالأزمات، والانقلابات، والحروب، والآمال المؤجَّلة.
*الدرس الأول*: الاستقلال السياسي لا يكفي
خرج المستعمر، لكن الدولة لم تخرج من عباءته بالكامل. ورث السودان جهازًا إداريًا هشًا، ونخبة سياسية منقسمة، واقتصادًا تابعًا. كان الاستقلال لحظة احتفال، لكنه لم يكن مشروعًا وطنيًا مكتمل الأركان. سرعان ما ظهر أن الحرية بلا مؤسسات قوية قد تتحول إلى فراغ، وأن السيادة بلا رؤية جامعة قد تصبح عبئًا لا نعمة.
*الدرس الثاني*: الجيش حين يدخل السياسة يربكها اكثر مما كانت عليه اصلا
منذ أول انقلاب عسكري في 1958، دخل السودان في دائرة مفرغة: حكم مدني قصير، يليه حكم عسكري أطول، ثم انتفاضة شعبية تعيد الأمل، قبل أن يتبخر من جديد. لم يكن الجيش وحده المسؤول فالاحزاب هي التي جاءت علي ظهور الدبابات عندما عجزت علي ملا صندوق الانتخابات كما تريد، لكن تسييسه أضعف الدولة وأربك المجتمع. سبعون عامًا أثبتت أن البندقية لا تبني وطنًا، وأن الحكم بالقوة قد يفرض الصمت فتره، لكنه لا يصنع الاستقرار. *الدرس الثالث:* التنوع إذا لم يُدار بحكمه يتحوّل إلى صراع
السودان بلد التنوع بامتياز: أعراق، لغات، وثقافات. كان يمكن لهذا التنوع أن يكون مصدر ثراء وقوة ناعمة، لكنه أُهمل، وأحيانًا أُقصي، وأحيانًا أُستُخدم سياسيًا. النتيجة كانت حروبًا أهلية طويلة، وانقسامًا مؤلمًا ومريرا انتهى بانفصال جنوب السودان في 2011. ذلك الانفصال لم يكن حدثًا مفاجئًا، بل خلاصة عقود من الفشل في إدارة الاختلاف بعدل وحكمة.
*الدرس الرابع:* الاقتصاد لا يعيش على الشعارات
امتلك السودان الأرض الخصبة، والمياه، والثروات المعدنية، لكن سوء الإدارة والفساد والعقوبات والحروب أنهكت الاقتصاد. ظل المواطن يسمع وعودًا عن “سلة غذاء العالم”، بينما يقف في طوابير الخبز والوقود. التجربة السودانية تقول بوضوح: الموارد وحدها لا تصنع الازدهار، بل السياسات الرشيدة، والشفافية، والاستقرار.
*الدرس الخامس*: الشعب هو الثابت الوحيد
رغم كل الانكسارات، ظل الشعب السوداني حاضرًا في المشهد: صابرًا، محتجًا، حالمًا. من ثورة أكتوبر 1964 إلى انتفاضة أبريل 1985، ثم ثورة ديسمبر 2018 هذه الاحداث قد يكثر الجدل حولها مبرراتها ودوافعها ومن كان يقف خلفها من تدخلات مخابراتيه خارجيه وعوامل داخليه بعد تحليلها بعيدا عن العواطف فقد يقول البعض ان سقوط الفريق عبود نتيجه لطرده للارساليات التبشيريه في الجنوب والتعريب وان سقوط المشير نميري نتيجه لتطبيق الشريعه الاسلاميه وسقوط البشير لعدم التطبيع مع اسرائيل والتصنيع الحربي واستخراج البترول والذهب ويقول البعض الاخر ان كل ذلك بسبب كبت الحريات والفساد ، ولكن يمكن ان نقول أثبت السودانيون أن الوعي لا يموت، وأن الرغبة في قيام الدولة الحديثه المتقدمه العادلة تتجدد. هذه الدروس ربما هي الأكثر إشراقًا: *أن الشعوب قد تُهزم مؤقتًا، لكنها لا تُقهر نهائيًا.*
*الدرس السادس:* الانتقال أصعب من الثورة
إسقاط نظام لا يعني بالضرورة بناء نظام جديد. فترات الانتقال في السودان كانت دائمًا الأكثر هشاشة، حيث تتقاطع المصالح، وتتصارع القوى القديمة والجديدة، ويضيع الوقت بين الخلافات. الدرس هنا أن الثورات تحتاج إلى نفسٍ طويل، وإلى توافق وطني، وإلى مؤسسات تحميها من الارتداد.
*خاتمة:* إلى أين بعد سبعين عامًا؟
سبعون عامًا من الاستقلال ليست مجرد رقم، بل سجل مليء بالعِبر. السودان لم يفشل لأنه شعبه عاجز، بل لأن نخبه كثيرًا ما أخفقت وسجلت فشلها في تحويل الفرص إلى إنجازات. اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، يحتاج السودان إلى قراءة صادقة لتاريخه، لا للبكاء عليه، بل للتعلّم منه.
فالتاريخ، كما الدروس والعبر، لا يكرّر نفسه عبثًا. إما أن نسمع الدرس ونغيّر المسار، أو نعيد الأخطاء نفسها بأسماء جديدة. والسودان، بعد سبعين عامًا من الاستقلال، لا يحتاج إلى خطابات أكثر، بل إلى عقد وطني جديد يجعل من هذه الدروس بداية خلاص، لا مقدمة فصل آخر من المعاناة.