
السودان على أعتاب نهاية الحرب.. فمن ينصف الذين دفعوا ثمن الكرامة؟ نقطة سطر جديدج إخلاص محمدابراهيم
السودان على أعتاب نهاية الحرب.. فمن ينصف الذين دفعوا ثمن الكرامة؟
نقطة سطر جديدج
إخلاص محمدابراهيم
من أين أبدأ، وأي موضوع أكتب، والهموم كثيرة، والحرب لم تضع أوزارها بعد، وإن لم يتبقَّ منها إلا القليل بإذن الله؟ ثلاث سنوات من الألم والنزوح والفقد جعلت السودانيين يتطلعون إلى اليوم الذي يعود فيه وطنهم إلى عافيته، وتعود الأسر إلى بيوتها، ويعود السودان إلى أهله.
وقد بدأت بالفعل رحلات العودة من دول اللجوء، فعاد الأمل إلى القلوب واستبشر الناس خيرًا؛ فمهما طال الغياب، لا شيء يعدل الوطن، ولا يعرف الإنسان قيمة وطنه إلا حين يفتقده.
لكن فرحة العودة تصطدم بواقع صعب: حرارة الصيف، وقطوعات الكهرباء، وغلاء المعيشة، ومعاناة أصحاب الأمراض الذين تحتاج أدويتهم إلى التبريد، فضلًا عن أصحاب المعاشات والدخل المحدود الذين قد ينتظرون معاشًا بسيطًا يتأخر شهرًا أو شهرين، بينما لا تتأخر احتياجات الحياة.
ومع ذلك، فإن كل هذه الأزمات يمكن تجاوزها إذا استقرت الدولة وانتهت الحرب. أما القضية الأخطر فهي: ماذا بعد الحرب؟ ومن يملك حق المشاركة في بناء السودان الجديد؟
إلى السيد البرهان.. سؤال من أبناء الشعب
السيد الفريق أول عبدالفتاح البرهان، لا مانع لديّ شخصيًا أن تكون رئيسًا للسودان إذا اختارك أهل السودان عبر إرادتهم الحرة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه عليك، وعلى كل من يفكر في مستقبل السودان، هو: ماذا عن الذين وقفوا مع القوات المسلحة منذ اليوم الأول للحرب؟
هؤلاء لم يكونوا متفرجين. وقفوا وقاتلوا ودفعوا من دمائهم، واستشهد منهم الآلاف، وجرح آخرون، وما زال هناك مفقودون لا تعرف أسرهم مصيرهم.
ومن هؤلاء أبناء الإسلاميين، كما أنهم أبناء كل أطياف الشعب السوداني. لم تكن حرب الكرامة حرب فئة واحدة، بل شارك فيها أبناء السودان من شرقه وغربه وشماله ووسطه، ومن مختلف المشارب والانتماءات.
فهل يُعقل أن يكون من وقف ودافع وضحّى في أصعب أيام السودان هو أول من يُقصى عندما تضع الحرب أوزارها؟
إذا كنت تريد بناء سودان مستقر، فلا تجعل الاختلاف السياسي سببًا للإقصاء. هؤلاء الشباب بينهم كفاءات وخبرات، ومن حقهم أن يكون لهم دور في بناء الدولة، كلٌّ بحسب كفاءته وقدرته، لا بحسب انتمائه السياسي.
من دفع ثمن الوطن لا ينبغي أن يُكافأ بالإقصاء.
🚨وقحت.. سؤال لا يجوز تجاوزه
وأنا هنا أقول ما أعتقده بوضوح: إن قيادات قوى الحرية والتغيير «قحت» وأبناءهم لم يكونوا في مقدمة الذين حملوا السلاح دفاعًا عن السودان في هذه الحرب، بينما كان أبناء الشعب السوداني، بمختلف أطيافه، في الميدان.
وفي المقابل، كانت هناك قيادات من قحت وشخصيات مرتبطة بها تدور في المشهد السياسي المحيط بحميدتي، وتوجد أسئلة كثيرة حول مواقفها وتحالفاتها ودورها قبل الحرب وأثناءها.
وهذه الأسئلة لا يجوز أن تُدفن تحت عنوان المصالحات السياسية.
لا أتحدث هنا عن محاكمة الناس لمجرد انتمائهم السياسي، ولا أطالب بانتقام من أحد. لكنني أطالب بشيء واحد: العدالة.
إذا كانت هناك جرائم أو تجاوزات أو مسؤوليات جنائية، فالقضاء هو الفيصل، والأدلة هي الحكم، وليس الانتماء السياسي.
العفو السياسي، إن صدر، قرار سياسي؛ لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى حصانة من العدالة.
💊لا تظلموا أبناء الإسلاميين
هناك أيضًا محاولة مستمرة، في رأيي، لوضع كل الإسلاميين في خانة واحدة، وكأن أبناءهم لم يكونوا جزءًا من هذا الشعب الذي دفع ثمن الحرب.
والحقيقة أن أبناء الإسلاميين، مثلهم مثل أبناء بقية السودانيين، خرجوا وقاتلوا وسقط منهم شهداء وجرحى ومفقودون.
لذلك فإن إقصاء هؤلاء الشباب بسبب انتماء آبائهم أو أسرهم السياسي ظلم لا يخدم السودان.
أنا لا أطالب بأن يحكم الإسلاميون السودان، ولا أطالب بإقصاء غيرهم.
أنا أطالب بأن يكون المعيار هو الكفاءة والولاء للوطن والالتزام بالقانون.
من يملك الكفاءة فليشارك، ومن تثبت عليه جريمة فليحاسب، ومن لم تثبت عليه جريمة فلا يُقصى بسبب اسمه أو أسرته أو انتمائه.
البرهان.. لا تجعل المرحلة القادمة مرحلة إقصاء
إذا انتهت الحرب، أو بقي منها القليل، فإن المعركة الحقيقية ستبدأ: معركة إعادة بناء الدولة.
📍وهنا أتمنى من السيد البرهان، إذا اختاره الشعب رئيسًا، ألا يجعل المرحلة القادمة مرحلة تصفية حسابات سياسية، وألا يسمح في الوقت نفسه بأن تتحول المصالحات إلى إغلاق لملفات العدالة.
السودان يحتاج إلى حكومة من أصحاب الكفاءة، وإلى شباب يعرفون قيمة الوطن لأنهم دفعوا ثمنه، وإلى مؤسسات قوية، وقضاء مستقل، ومحاسبة عادلة.
نحتاج إلى دولة لا يُكرَّم فيها شخص لأنه ينتمي إلى هذا التيار، ولا يُقصى آخر لأنه ينتمي إلى ذاك التيار.
السودان ليس ملكًا لأحد
السودان أكبر من قحت، وأكبر من الإسلاميين، وأكبر من حميدتي، وأكبر من البرهان، وأكبر من كل الأحزاب والقوى السياسية.
هذا الوطن ملك لأبنائه جميعًا.
ولذلك، فإن الذين قاتلوا دفاعًا عنه لهم حق التقدير، والذين فقدوا أبناءهم لهم حق معرفة الحقيقة، والمفقودون لهم حق البحث عن مصيرهم، والجرحى لهم حق العلاج والرعاية.
وفي الوقت نفسه، فإن كل من تثبت مسؤوليته عن جريمة يجب أن يحاسب، مهما كان اسمه أو موقعه أو انتماؤه.
لا نريد انتقامًا، ولا نريد حصانة. نريد عدالة.
لا نريد أن تنتقل البلاد من حرب السلاح إلى حرب الإقصاء.
ولا نريد أن تكون نهاية الحرب بداية لصراع جديد بين السودانيين.
نريد سودانًا يتسع للجميع، ويضع الرجل المناسب في المكان المناسب، ويعطي الشباب حقهم في بناء وطنهم، ويجعل القانون فوق الجميع.
لقد دفع الشعب السوداني ثمنًا غاليًا في حرب الكرامة، وما تبقى إلا القليل بإذن الله.
فلا تجعلوا دماء الشهداء ومآسي الجرحى والمفقودين مجرد صفحة تُطوى.
أنصفوا من دفعوا الثمن، وحاسبوا من تثبت إدانته، وافتحوا الباب أمام كل كفاءة وطنية، ولا تجعلوا الانتماء السياسي جريمة ولا حصانة.
فالسودان لا يحتاج إلى منتصر جديد على سوداني آخر.
السودان يحتاج إلى دولة تنتصر للسودان نفسه.