
السودان لا يريد شفقة العالم بل عدالة العالم
شاذلية العشا تكتب
إلى مجلس الأمن الدولي وإلى الولايات المتحدة الأمريكية وإلى كل عواصم القرار في العالم أكتب اليوم لا بلسان سياسية تبحث عن مكسب ولا بلسان إعلامية تبحث عن عنوان مثير وإنما بلسان امرأة سودانية تحمل وجع وطنها وتسمع أنين شعب دفع ثمناً باهظاً لحرب لم يخترها ففي الرابع والعشرين من أغسطس انعقدت جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن السودان وتحدث العالم مرة أخرى عن حماية المدنيين والأزمة الإنسانية ووقف التصعيد وتدفق السلاح واستخدام الطائرات المسيّرة وهي قضايا بالغة الأهمية لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة على الضمير الدولي هو ماذا بعد الكلام ومتى يتحول القلق الدولي إلى إجراءات حقيقية تحمي الشعب السوداني وتوقف من يواصل إشعال الحرب فالسودان لا يحتاج إلى جلسات تتكرر فيها العبارات نفسها بينما يستمر النزيف على الأرض السودان يحتاج إلى عدالة لا تعرف الانتقائية وإلى موقف دولي واضح لا يساوي بين الضحية والجاني ولا يضع الشعب السوداني في موضع المتهم بينما تتجاهل الأطراف التي تمد الحرب بالسلاح والمال والدعم لقد دمرت الحرب حياة ملايين السودانيين وضربت قطاعات الصحة والتعليم والاقتصاد والخدمات الأساسية ومزقت الأسر وشردت المواطنين وأغلقت أبواب المستقبل أمام أجيال كاملة والهجمات على المنشآت المدنية والبنية التحتية جعلت الحياة اليومية نفسها معركة من أجل البقاء وإذا كان المجتمع الدولي يريد حماية المدنيين فعليه أن يسأل من أين تأتي الأسلحة ومن يمول العمليات ومن يوفر التكنولوجيا والمسيّرات ومن يفتح طرق الإمداد ومن يستقبل أو يمرر المرتزقة والمقاتلين الأجانب ومن يساهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في استمرار الحرب وهذه ليست أسئلة سياسية عابرة وإنما أسئلة مرتبطة مباشرة بالقانون الدولي وبحماية المدنيين وبمسؤولية الدول عن منع استمرار النزاعات وتسليح الجهات التي ترتكب الانتهاكات ونحن لا نطالب بعقوبات عمياء ولا نطالب بإدانة دولة لمجرد الخصومة السياسية وإنما نطالب بتحقيق دولي مستقل وشفاف يحدد المسؤوليات ويكشف شبكات التمويل والتسليح والإمداد ويحاسب كل من تثبت مشاركته في إطالة أمد الحرب أياً كان موقعه أو جنسيته أو قوته السياسية فإذا كانت هناك دولة تمد أي طرف بالسلاح أو توفر له الدعم العسكري أو اللوجستي الذي يستخدم في قتل المدنيين فيجب أن تكون تحت طائلة المساءلة الدولية وإذا كان هناك أفراد أو شركات أو شبكات أو كيانات تنقل السلاح أو تمول المرتزقة أو تساعد في تشغيل منظومات عسكرية تستهدف المدنيين فيجب أن تخضع للعقوبات والملاحقة وفق القانون الدولي فلا يمكن أن تكون العقوبات أداة سياسية تضرب دولة بأكملها بينما تترك من يثبت أنه يغذي الحرب بعيداً عن المساءلة الشعب السوداني لا يطلب من أمريكا ولا من أوروبا ولا من أي قوة دولية أن تحارب بالنيابة عنه الشعب السوداني يطلب شيئاً أبسط وأعمق لا تساعدوا من يقتلنا لا تمدوا الحرب بالسلاح لا تسمحوا بتحويل أراضي الدول إلى ممرات للمرتزقة والسلاح لا تجعلوا مصالحكم السياسية والاقتصادية أهم من دماء المدنيين ولا تجعلوا السودان ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول السودان إلى حرب بالوكالة بينما يدفع السودانيون وحدهم ثمنها من دمائهم وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم لقد آن الأوان لأن يتعامل مجلس الأمن مع السودان باعتباره قضية شعب ودولة وليس مجرد ملف إنساني موسمي يظهر على جدول الاجتماعات ثم يختفي نحن نريد لجنة دولية مستقلة لتقصي الحقائق وتوثيق الانتهاكات في جميع مناطق السودان والاستماع إلى الناجين والشهود وأسر الضحايا والعاملين في المجال الصحي والإنساني وتوثيق كل الجرائم والانتهاكات التي تثبتها الأدلة نريد أن يعرف العالم الحقيقة من أفواه السودانيين أنفسهم لا من التقارير التي تصل إليه ناقصة ولا من روايات الأطراف المتحاربة وحدها نريد عدالة تبدأ من الضحية وتنتهي عند الجاني والعدالة الحقيقية لا تسأل الضحية عن قوتها السياسية قبل أن تحميها أيها العالم لا تجعلوا السودان رقماً جديداً في تقارير الأزمات فخلف كل رقم إنسان وخلف كل نازح بيت وخلف كل طفل فقد مدرسته مستقبل كان ينتظره وخلف كل أم فقدت ابنها وطن صغير انهار داخل قلبها وخلف كل مستشفى خرج من الخدمة آلاف الأرواح التي أصبحت أكثر عرضة للموت وخلف كل مدرسة دُمرت أجيال حُرمت من حقها في التعليم وخلف كل منشأة مياه أو كهرباء تعرضت للهجوم مدينة كاملة تدفع ثمن الحرب لقد تحدث مجلس الأمن عن تدفق السلاح والتصعيد وحماية المدنيين وهي قضايا مهمة لكن المرحلة القادمة يجب أن تكون مرحلة أفعال لا بيانات نريد آلية دولية واضحة لمنع وصول الأسلحة المستخدمة ضد المدنيين ونريد عقوبات محددة على كل فرد أو كيان أو جهة يثبت تورطها في تمويل الجرائم أو تسليح مرتكبيها ونريد رقابة حقيقية على الحدود وممرات الإمداد ونريد محاسبة عادلة لكل من ارتكب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية ونريد دعماً حقيقياً للشعب السوداني في إعادة بناء المستشفيات والمدارس والاقتصاد والبنية التحتية أما العقوبات التي تزيد معاناة المواطن السوداني العادي وتغلق أمامه أبواب الحياة فلا يمكن أن تكون هي الحل عاقبوا من يشعل الحرب لا شعب السودان هذه هي الرسالة التي يجب أن يسمعها العالم نحن لا نطلب المستحيل نطلب فقط أن يكون القانون الدولي قانوناً للجميع وأن تكون حياة السوداني مثل حياة أي إنسان في هذا العالم وأن تكون دماء أطفال السودان عزيزة مثل دماء أطفال أي دولة أخرى وأن تكون سيادة السودان وحق شعبه في الحياة والأمن والكرامة محل احترام حقيقي لا مجرد عبارات في قاعات المؤتمرات إلى الولايات المتحدة الأمريكية وإلى الدول الكبرى وإلى أعضاء مجلس الأمن راجعوا مواقفكم افتحوا ملفات السلاح والتمويل والدعم الخارجي استمعوا إلى الشعب السوداني اذهبوا إلى أماكن الضحايا وثقوا الجرائم بالأدلة حاسبوا كل من تثبت مسؤوليته ولا تسمحوا لأي دولة أياً كان اسمها أو حجمها أن تستخدم السودان ساحة لحرب بالوكالة السودان لا يريد أن يكون رقعة شطرنج في صراع الآخرين السودان يريد أن يعيش والشعب السوداني لا يريد شفقة العالم الشعب السوداني يريد عدالة العالم وإذا كان العالم قد اجتمع ليتحدث عن السودان فإن رسالتنا اليوم واضحة لا يكفي أن تسمعوا صوت السودان داخل قاعة مجلس الأمن آن الأوان أن تسمعوا صوت السودان داخل ضمائركم فالسلام الحقيقي لا يبدأ عندما يصمت السلاح فقط بل يبدأ عندما تتوقف الأيدي التي تمد السلاح وتتوقف الأموال التي تمول الحرب وتتوقف الحدود التي تعبر منها أدوات الموت ويبدأ عهد جديد تكون فيه حياة الإنسان السوداني أغلى من الحسابات السياسية والمصالح الدولية السودان يريد السلام نعم لكنه يريد سلاماً عادلاً لا سلاماً يُبنى على تجاهل الحقيقة يريد سلاماً يحفظ الدولة ويصون الشعب ويحاسب من ارتكب الجرائم ويمنع تكرارها وهذه ليست صرخة امرأة سودانية فقط هذه صرخة وطن كامل يبحث عن العدالة قبل أن يبحث عن النسيان