الأعمدة

السودان والساحل الإفريقي: أبعاد الحوار الإقليمي وفرص الشراكات الإستراتيجية سعد محمد عبدالله

السودان والساحل الإفريقي: أبعاد الحوار الإقليمي وفرص الشراكات الإستراتيجية

سعد محمد عبدالله

 

نتابع بعيون مبصرة وقلوب قلقة مجريات الأحداث السياسية والأمنية في الساحل الإفريقي، والتي فرضت على الفاعلين الإقليميين والدوليين ضرورة التحرك للبحث عن مقاربات جديدة لمعالجة الأزمات المتراكمة التي تعاني منها المنطقة منذ سنوات؛ إذ ظلت دول الساحل تواجه تحديات متشابكة تتعلق بالإرهاب والهجرة غير الشرعية والإنقلابات العسكرية وتراجع مؤسسات الدولة وضعف التنمية الإقتصادية، الأمر الذي جعل الحاجة ملحة لإطلاق حوار سياسي جاد بين المجموعة الإقتصادية لدول غرب أفريقيا «إيكواس» وتحالف دول الساحل الذي يضم مالي والنيجر وبوركينا فاسو، خاصة بعد حالة القطيعة التي أعقبت إنسحاب هذه الدول من المنظمة الإقليمية مطلع العام 2025م، وهي خطوة ألقت بظلالها على مستقبل العمل الإقليمي المشترك في غرب أفريقيا، وقد تحدثنا كثيرًا فيما سبق عن أهمية الإنخراط في حوار سياسي موضوعي وعاجل بين الطرفين لإنهاء حالة التوتر السائدة وفتح صفحة جديدة قائمة على المصالح المشتركة والإحترام المتبادل، وتوجيه الأنظار نحو المستقبل، لأن إستمرار القطيعة لن يؤدي إلا إلى مزيد من التعقيد السياسي والأمني والإقتصادي، في وقت تحتاج فيه شعوب الساحل الإفريقي إلى توفير مناخ الإستقرار والتكامل والتعاون لمواجهة الأزمات المتفاقمة التي تهدد المنطقة برمتها، لا سيما بعد تلك الأحداث الدامية التي شهدتها مؤخرًا، والتي أكدت أن الإنقسام بين القوى الإقليمية لن يخدم سوى الجماعات المتطرفة والقوى الساعية إلى زعزعة الأمن والإستقرار ونهب الموارد وإضعاف فرص التنمية وهدم آمال بناء الدولة الوطنية في فضاء الساحل الإفريقي بأكمله.

 

هناك جهود جادة تُبذل لإحتواء الأزمة وتهيئة المناخ السياسي للحوار الموضوعي، حيث برزت الوساطة التي تقودها السنغال وتوغو باعتبارها واحدة من أهم المبادرات الرامية إلى تقريب وجهات النظر المتباينة بين «إيكواس» وتحالف دول الساحل؛ فقد حمل الإعلام أنباء عن مباحثات أجراها الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي مع كبير مفاوضي المجموعة الإقتصادية لدول غرب أفريقيا لدى التحالف، لانسانا كوياتي، حول سبل تسريع الوساطة وإنهاء حالة الجمود السياسي القائمة بين الجانبين، وهي خطوة تعكس إدراك دولتي السنغال وتوغو لأهمية الحفاظ على وحدة المنظومة الإقليمية وعدم السماح أبدًا بانهيار مؤسسات العمل المشترك في غرب أفريقيا، وقد جاء لقاء داكار ضمن جولة دبلوماسية يجريها كوياتي، الذي عُيّن مبعوثًا لـ«إيكواس» في مارس الماضي، قبل توجهه إلى مالي والنيجر وبوركينا فاسو، بعد مشاورات مكثفة أجراها في أبيدجان مع الرئيس الإيفواري الحسن واتارا، وذلك في محاولة لإيجاد أرضية تفاهم جديدة تقوم على مفهوم الحوار بدلًا من التصعيد السياسي والإعلامي الذي يعقد الأزمة أكثر فأكثر، وتكمن أهمية هذه التحركات في أنها ستعيد فتح قنوات الإتصال بين الأطراف المتباعدة، وتؤكد أن الحلول السياسية ما تزال ممكنة رغم تعقيدات المشهد وتباعد المواقف، كما أنها تعكس قناعة متزايدة لدى دول المنطقة بأن مسألة الإستقرار الإقليمي لا يمكن حلها بفرض الوصايا أو عبر العزلة والقطيعة، وإنما من خلال خيار التعاون وتبادل المصالح وبناء الثقة بين الحكومات والشعوب، خاصة في ظل التحديات الأمنية الخطيرة التي تهدد المنطقة بأسرها، وتفرض على الجميع العمل بروح المسؤولية والشراكة الإقليمية.

 

في خضم هذا المشهد الإقليمي المعقد، يبرز السودان باعتباره دولة محورية في معادلات القرن الإفريقي والساحل، لما يمتلكه من موقع جغرافي إستراتيجي وإمكانات سياسية وإقتصادية تجعل منه محورًا مهمًا في توازنات النفوذ الدولي والإقليمي، ولذلك لم يكن مستغربًا أن تتزايد التحركات الدولية تجاه الخرطوم في ظل التطورات السياسية والأمنية التي يشهدها السودان منذ إندلاع تلك الحرب الشعواء، وفي هذا السياق، سجل وفد من البرلمان الفرنسي زيارة مهمة إلى السودان، حيث عقد إجتماعًا مع الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الإنتقالي، برئاسة كريستوفر ماريو، وبحضور مني أركو مناوي، حاكم إقليم دارفور، وتناول اللقاء مجمل الأوضاع السياسية والأمنية والإنسانية في البلاد، إضافة إلى جهود الحكومة في إستعادة الأمن والإستقرار، وقد إطلع الوفد الفرنسي على حجم الإنتهاكات والفظائع التي إرتكبتها مليشيا الدعم السريع بحق المدنيين، فضلًا عن عمليات التدمير الممنهج للبنى التحتية ومؤسسات الدولة والمرافق الحيوية، وهو ما دفع الوفد إلى التأكيد بحزم على أهمية الحفاظ على وحدة وسيادة السودان والعمل مع الشركاء الأوروبيين لدعم إستقراره السياسي والإنساني؛ كما برز توجه جديد داخل البرلمان الفرنسي لتقديم طلب رسمي يقضي بتصنيف مليشيا الدعم السريع منظمة إرهابية، بالنظر إلى الجرائم والإنتهاكات التي إرتكبتها بحق المدنيين، وهي خطوة تحمل دلالات سياسية وقانونية مهمة، وستجد مساحات معتبرة في حوارات السياسيين والإعلاميين السودانيين، ليس في السودان فحسب؛ إنما على مستوى فضاء القرن والساحل الإفريقي، فهي تعكس حجم التحول الكبير في المواقف الدولية تجاه الأزمة السودانية وتداعياتها الإقليمية والإنسانية.

 

من أرض السودان نتجه إلى العاصمة الكينية نيروبي، رغم بُعد المسافات وتباين المواقف السياسية؛ حيث إنعقدت أعمال قمة «أفريقيا إلى الأمام» بمشاركة أكثر من ثلاثين رئيس دولة وحكومة، إلى جانب العشرات من المندوبين ورجال الأعمال والمستثمرين وممثلي المؤسسات المالية الدولية وشركاء التنمية من أفريقيا وفرنسا ومختلف أنحاء العالم، في واحدة من أهم الفعاليات الإقتصادية والسياسية التي تستهدف تعزيز الشراكات الإستثمارية ودعم المسارات التنموية في القارة الإفريقية حسب ما أعلن عنه، وقد ركزت القمة على مناقشة وسائل إعادة بناء العلاقات بين الساحل الإفريقي وفرنسا وآليات تمويل التنمية والإستثمارات في القطاعات الإستراتيجية المرتبطة بالصناعة والتجارة وخلق فرص العمل وتحسين البنية التحتية وتعزيز التحول الإقتصادي، بمشاركة رؤساء تنفيذيين لكبرى الشركات الأفريقية والفرنسية، إضافة إلى الوكالة الفرنسية للتنمية والمؤسسات التمويلية الدولية، وإذا صدق التوقع فإن هذه القمة تمثل مؤشرًا واضحًا على التحول المتزايد في النظرة إلى أفريقيا باعتبارها فضاءً إقتصاديًا واعدًا يمتلك فرصًا كبيرة للنمو والإستثمار، خاصة في مجالات الطاقة والتعدين والزراعة والتكنولوجيا والبنية التحتية والصناعات الإبداعية بكل أنواعها؛ كما تُبيِن القمة إدراكًا دوليًا متناميًا بأن إستقرار القارة وتنميتها يمثلان ضرورة إستراتيجية للإقتصاد العالمي، وأن مسألة بناء شراكات متوازنة مع الدول الأفريقية أصبح أمرًا لا غنى عنه في ظل التغيرات الإقتصادية والسياسية الدولية الراهنة، وهو ما يمنح أفريقيا فرصة مهمة لإعادة صياغة موقعها في النظام الدولي الجديد على أسس أكثر عدالة وشراكة وتوازنًا.

 

على هذا المسار، يأتي منتدى الأعمال الذي يحمل عنوان «إلهام وتواصل» كأحد أبرز الفعاليات المصاحبة لتلك القمة، حيث تنظمه كل من بروباركو و«بي بي آي فرانس» و«بيزنس فرانس»، بهدف فتح بوابة حوار إستراتيجي حول مستقبل الشراكات الإقتصادية بين أفريقيا وفرنسا، وإستعراض المشاريع والمبادرات التي يقودها القطاع الخاص في الجانبين، بما في ذلك دعم ريادة الأعمال الأفريقية وتعزيز فرص الإستثمار ونقل التكنولوجيا، ويكتسب المنتدى أهمية خاصة في هذه القراءة لكونه يركز على خلق بيئة تعاون إقتصادي قائمة على المصالح المشتركة والتنمية، كما انها من أهم محاور تعزيز دور القطاع الخاص وتمكين الشباب ورواد الأعمال في القارة الأفريقية، ومن المتوقع أن يسهم المنتدى في تحفيز تدفقات الإستثمار والشراكات التجارية وفرص تمويل قطاعات مهمة ومتعددة تشمل مجالات الرياضة والصناعات الثقافية والإبداعية والتكنولوجيا والطاقة والتعدين، وهي قطاعات تمثل مستقبل الإقتصاد الأفريقي خلال السنوات المقبلة؛ وفي المجمل، فإن هذه التحركات السياسية والإقتصادية والدبلوماسية تؤكد بوضوح أن القارة الأفريقية تعيش مرحلة إعادة تموضع إقليمي ودولي تتطلب من دولها العمل على بناء شراكات أكثر وعيًا وفاعلية، وتغليب لغة الحوار والتعاون بدلًا من الصراعات والإنقسامات، لأن مستقبل أفريقيا لن يُبنى إلا عبر التكامل الإقليمي والتنمية والإستقرار السياسي وإحترام إرادة الشعوب في بناء دول قوية وقادرة على مواكبة التحولات الإقليمية والعالمية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى