
تأملات
جمال عنقرة
دفعني لكتابة هذا المقال ما تضج به الميديا من كتابات وأحاديث حول قرارات يترقبها، البعض طمعا، ويحذر منها آخرون خوفا، تتحدث عن حل مجلس السيادة، وتشكيل مجلس تشريعي، وإعادة تشكيل مجلس الوزراء، ومع تقديري لكل ما كتب، لكن اكثره عندي ينطلق من اطماع شاطحة، أو أوهام خائبة، وقبل الخوض في ما يقولون دعونا نتحدث عن مفاهيم رسخت عند كثيرين، وهي محل نظر، ولعل بسببها يذهب كثيرون إلى مذاهب غير موضوعية، وغير حقيقية.
ومحور هذه المفاهيم يتعلق بثورة ديسمبر وما يتعلق بها، واول ما يجب أن نقف عنده ونثبته، أن التغيير الذي حدث في أبريل ٢٠١٩م هو امتداد لما يعرف بالربيع العربي، الذي تأكد انه صناعة صهيونية بمخالب عربية، راس الرمح فيها دولة الإمارات التي استخدمت الآلة الإعلامية العربية في تسويق وهم الثورة، وحركت اصابعها في تلك الدول، ومعلوم أن السودان نجا من الموجة الاولي كما نجت شقيقته مصر، رغم انهما كانا علي راس قائمة المستهدفين، ويعود الفضل في تلك النجاة من بعد فضل الله تعالي، إلى تماسك مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها المؤسسات العسكرية، وهذا هو سبب فشل حراك سبتمبر ٢٠١٣م رغم انه كان قويا، ونجاح حراك ديسمبر ٢٠١٨م الذي كان ضعيفاً،
ففي سبتمبر ٢٠١٣م كان نظام الإنقاذ متماسكا، وكان الذين يمسكون بمقاليد السلطة محل ثقة وأهل كفاءة، ولم تكن مخالب دولة الشر قد تغلغت، الا ان الحال في ،يسمبر ٢٠١٨م تغير تماما، فالتغيير مهد لكل خطواته، وصنعه الذين صنعهم النظام من مخالب دولة الشر او من مجموعة (م ن) المغفلين النافعين، فبعض القيادات الأمنية هم الذين فتحوا الطريق للمتظاهرين إلى ساحة الاعتصام وحموهم وأمنوهم، ومعلوم أن شركات عميلة لدولة الشر هي التي كانت توفر الطعام والشراب و(الذي منه) للمعتصمين، وأن قرار التغيير اتخذته اللجنة الأمنية التي كان كل أعضائها من الطوارئ، ومن الذين صنعوا، أو اعيد بعثهم من العدم.
وبعد اكتمال التغيير سيطر المتآمرون الخارجيون علي مقاليد الأمور كلها، عبر الرباعية الاولي التي ضمت امريكا وبريطانيا والإمارات والسعودية، واحكموا قبضتهم بجعل حميدتي ممثلا للجيش، ومعلوم انه لا يوجد منطق يجعل حميدتي ممثلا لجيش السودان، ولكن القوة التي استخدمت اللجنة الأمنية في إحداث التغيير، أزاحت الذين استخدمتهم للتغيير بعد اربع وعشرين ساعة، ومهدت الطريق لحميدتي ليسيطر علي كل المكون العسكري، وعلي كل شئ بما أجري في يديه من مال، وما تهيأ له من سلطان، وفي المقابل أتوا بأسماء من العدم فرضوها ممثلا للمكون المدني للثورة باسم قوي الحرية والتغيير، واقصوا القوي الفاعلة والمؤثرة، وفي مقدمتها الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل، والاصلا، من حزب الأمة القومي، والوطنيين في الحزب الشيوعي السوداني، وحزب البعث، وكانوا قد اقصوا كل الاسلاميين وشركائهم في الحكم باعتبارهم فلول النظام الذي اسقطته الثورة، وبذلك دان الأمر لمخالب دولة الشر في السودان، وهم الذين وضعوا الوثيقة الدستورية، وشكلوا حكومة حمدوك الاولي والثانية، ووضعوا النظام الاطاري، واشعلوا الحرب في الثالث عشر من أبريل ٢٠٢٣م.
حرب أبريل أسقطت كل ما قبلها، فاسقطت كل اوهام ثورة ديسمبر، واسقطت الوثيقة الدستورية، واسقطت كل الذين سقطوا في براثن الفتنة، وأوحال العمالة الآسنة، ولم تبق في البلاد شرعية غير شرعية معركة الكرامة التي أمازت الخبيث من الطيب، وجعلت الخبيث بعضه فوق بعضه، فيركمه الله في نار جهنم.
معركة الكرامة فضلا عن تمييزها الوطنيين من العملاء، حشدت كل الشعب السوداني، بكل مكوناته، واثنياته خلف قواته المسلحة، التي كان لها الفضل الأكبر من بعد فضل الله تعالي في عبور اكبر امتحان يتعرض له السودان في تاريخه القديم والحديث معا، فرسم الشعب والجيش أعظم وأروع لوحة، عنوانها (شعب واحد جيش واحد)
ولأن معركة الكرامة تقترب الان من خاتمتها السعيدة، باستعادة الجيش المدعوم بكل الشعب سيطرته علي كل ارجاء الوطن، يجب الاقدام علي تغييرات تعزز التلاحم الشعبي، والتوافق الوطني، وتحول تفويض الجيش لقيادة الانتقال لمرحلة إعادة التأسيس والبناء من تفويض شعبي إلى تفويض دستوري،
وكنت قد كتبت مقالا قبل عدة شهور قدمت فيه تصورا لتعديلات علي كافة المستويات، اري انها لا تزال الأقرب لاحكام الجيش سيطرته العسكرية، والمحافظة علي تماسك الجبهة الداخلية بقيادة شركاء معركة الكرامة من القوات المسلحة، والقوات النظامية الأخري، والقوات المشتركة، والمجاهدون المستنفرون من كل اهل السودان، وتعزز شعار شعب واحد جيش واحد.
وتتمثل المقترحات في إعادة تشكيل مجلس السيادة، فيذهب كل أعضائه الحاليين ويبقي فقط البرهان رئيسا للمجلس وقائدا أعلي للقوات المسلحة بالزي المدني، وعقار نائبا له، ويضاف إليهم ستة جدد من رموز القيادات الشعبية لمعركة الكرامة يمثلون أقاليم السودان الستة القديمة، الشرق والشمال، وكردفان، ودارفور، والوسط والخرطوم، ويذهب كباشي وزيرا للدفاع وقائدا عاما للقوات المسلحة، والعطا رئيسا لهيئة الأركان، وجابر وزيرا للاستثمار، ويتم استيعاب عبد الله يحي ورصاص في الجهاز التنفيذي وزراء أو سفراء يمثلون السودان في الدول، ويبقي شركاء معركة الكرامة من حركات الكفاح المسلح في مواقعهم، ويعاد تشكيل مجلس الوزراء برئاسة احد أبطال معركة الكرامة من ذوي التاهيل العالي والتجارب المتراكمة والبعد الشعبي، ويتم تنشيط وأحياء الكيانات النقابية والمهنية لترتيب اوضاعها للانتقال من لجان تمهيدية إلى لجان تنفيذية بإقامة انتخابات باعجل ما تيسر، وتحريك مسجل عام الأحزاب لوضع ضوابط تسجيل وتنظيم عمل الأحزاب السياسية.
ولا أعتقد أنه توجد حاجة لتشكيل مجلس تشريعي بالتعيين، فهو يشكل أعباء اضافية للدولة، ولن تكون له قيمة تشريعية ولا رقابية ولا دستورية، ما دام قد اتي بالتعيين، والأفضل من ذلك، أن نفعل كما فعلت مصر في ظرف مشابه بعد ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣م، التي تلاحم فيها الشعب مع الجيش واخمدوا نار الفتنة، كانت اولي خطوات العودة للشرعية الدستورية تقديم قائد الجيش ورمزه المشير عبد الفتاح السيسي مرشحا لرئاسة الجمهورية باسم (تحيا مصر)، فلنقدم معا قائد الجيش ورمز معركة الكرامة المشير عبد الفتاح البرهان مرشحا لرئاسة الجمهورية باسم معركة الكرامة، وتكون هذه اولي الخطوات الجادة للانتقال من الشرعية الثورية للشرعي ة الدستورية،