الأعمدة

العيد الـ35 لاستقلال إريتريا.. _حتى متى تتردد الخرطوم في التحالف الإستراتيجي مع أسمرة؟

خبر وتحليل

عمار العركي

انطلقت في العاصمة الإريترية أسمرة احتفالات الذكرى الخامسة والثلاثين لاستقلال إريتريا، في مناسبة حملت عدة رسائل سياسية وإقليمية، خاصة في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة وتعقيدات الحرب في السودان. فالاحتفال يمثل مناسبة تحاول من خلالها إريتريا إعادة تقديم نفسها كلاعب إقليمي حاضر في معادلات وتوازنات القرن الإفريقي وأمن البحر الأحمر.
▪️أكثر ما استوقفني في مراسم التدشين والافتتاح، كان توجيه الدعوة الرسمية للسفير السوداني أسامة عبد الباري وحده دون بقية السفراء المعتمدين في أسمرة، وهي خطوة تتجاوز البعد البروتوكولي، فالقيادة الإريترية تتعامل مع الإشارات الدبلوماسية كأدوات تعبير سياسي. وبالتالي، تبدو الدعوة الخاصة للسفير السوداني أقرب إلى رسالة سياسية متعددة المستويات، موجهة إلى الخرطوم أولاً، وإلى الإقليم ثانياً.
▪️الرسالة الأولى ترتبط بطبيعة الموقف الإريتري من الحرب السودانية. فأسمرة أثبتت دعمها للشعب السوداني واستقرار الدولة السودانية ومؤسساتها الرسمية، انطلاقاً من قناعة إريترية راسخة بأن عدم استقرار السودان ستكون له تداعيات مباشرة على أمن إريتريا واستقرار القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
▪️أما الرسالة الأعمق، فتتمثل في أن إريتريا لم تنسَ الدور السوداني المؤثر والفاعل في دعم وإسناد نضال الثورة الإريترية منذ سبعينيات القرن الماضي، سواء عبر الاحتضان السياسي، أو الدعم الشعبي، أو فتح الأراضي السودانية أمام قوى النضال الإريتري خلال سنوات الحرب الطويلة ضد نظام منغستو في إثيوبيا.
▪️كما أن الخرطوم ظلت تمثل بالنسبة للحركة الوطنية الإريترية إحدى أهم ساحات الإسناد والتحرك السياسي والدبلوماسي، قبل أن تُزف العاصمة السودانية أسمرة والرئيس أسياس أفورقي إلى الإقليم والعالم رئيساً لدولة إريتريا المستقلة عام 1993، في لحظة تاريخية ظلّت حاضرة بقوة داخل الوجدان السياسي الإريتري.
▪️ومن هنا، فإن تخصيص السفير السوداني بهذه الدعوة يحمل دلالة على ما يشبه استدعاء ذاكرة التحالف القديم، ورسالة وفاء سياسية تعكس طبيعة النظرة الإريترية الخاصة تجاه السودان.
▪️وفي المقابل، تبدو أسمرة وكأنها ترسل إشارة غير مباشرة بأنها ما تزال ترى في الخرطوم شريكاً استراتيجياً محتملاً، رغم أن العلاقة بين البلدين لم ترتقِ حتى الآن إلى مستوى التحالف السياسي والأمني الكامل، برغم التقاطعات الكبيرة في المصالح والهواجس المشتركة.
▪️فالواقع يشير إلى أن إريتريا أبدت خلال السنوات الأخيرة قدراً واضحاً من الانفتاح والدعم السياسي للسودان، خاصة في ظل الحرب الحالية، بينما ظل التعاطي السوداني مع هذا التقارب يتسم بشيء من التردد والبطء والحذر التقليدي.
▪️وجزء من هذا التردد يعود إلى تراكمات قديمة داخل ذهنية السياسة الخارجية السودانية، وإلى هواجس ظلت تُغذّى لعقود بواسطة أطراف إقليمية ودولية لا تنظر بعين الرضا إلى أي تقارب استراتيجي بين الخرطوم وأسمرة، لما يمكن أن ينتجه ذلك من إعادة تشكيل لموازين النفوذ في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
▪️كما أن بعض دوائر القرار السوداني ظلت تنظر إلى العلاقة مع إريتريا بمنطق أمني ضيق تحكمه الحسابات الظرفية، أكثر من النظر إليها باعتبارها علاقة استراتيجية طويلة المدى يمكن أن توفر للسودان عمقاً مهماً في معادلات الإقليم.
▪️وفي المقابل، تبدو أسمرة أكثر وضوحاً في تعريف مصالحها الإقليمية، وأكثر استعداداً لبناء تحالفات مستقرة، بينما لا تزال الخرطوم تتحرك أحياناً بعقلية التردد وانتظار اتضاح التوازنات، رغم أن طبيعة المرحلة الحالية قد لا تمنح ترف البطء في بناء الشراكات الإقليمية.
خلاصة القول ومنتهاه:
▪️الرسالة التي حملتها احتفالات العيد الخامس والثلاثين لاستقلال إريتريا تضمنت إشارات سياسية واضحة تجاه السودان. فأسمرة تبدو أكثر استعداداً للانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعلى من التقارب والتنسيق الاستراتيجي، مستندة إلى ذاكرة تاريخية مشتركة ومصالح أمنية متقاطعة.
▪️لكن في المقابل، ما تزال الخرطوم تتعامل مع هذا الانفتاح الإريتري بقدر من البطء والتردد، وكأنها أسيرة هواجس قديمة وصور ذهنية صنعتها أطراف أخرى كانت، ولا تزال، ترى في أي تقارب سوداني إريتري تهديداً لمعادلات النفوذ القائمة في الإقليم.
▪️ولهذا، فإن المرحلة الحالية ربما تفرض على السودان مراجعة مقاربته تجاه إريتريا، ومغادرة محطة الشكوك والظنون غير الحقيقية، باتجاه بناء علاقة أكثر وضوحاً وجرأة تقوم على المصالح المشتركة والحسابات الإستراتيجية، لا على الهواجس الموروثة والتردد .

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى